لا يمكن معالجة اختلالات قطاع الصحافة وكأن جزءاً من الجسم المهني غير موجود. فحتى عندما يتم تجاهل فئة معينة أو إقصاؤها من دائرة الاهتمام العمومي، فإن ذلك يصبح في حد ذاته مؤشراً على عمق الأزمة لا تفصيلاً هامشياً. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة البلاغ الأخير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية تضعنا أمام مشهد يتجاوز مسألة تأخر الأجور إلى بنية اختلال مركّبة تطال نموذج تدبير القطاع برمّته.
في بلاغ شديد اللهجة، عبّرت النقابة عن قلق بالغ من استمرار تأخر صرف أجور العاملين في الصحافة المكتوبة والإلكترونية برسم شهر أبريل 2026، معتبرة أن الأمر لم يعد حادثاً ظرفياً، بل أصبح نمطاً متكرراً يهدد الاستقرار المهني والاجتماعي داخل المقاولات الإعلامية. وتؤكد النقابة أن الأجر ليس امتيازاً قابلاً للتأجيل، بل حق قانوني ثابت لا يمكن ربطه بأي شروط إدارية أو مالية، خاصة تلك المرتبطة بتدبير الدعم العمومي.
هذا الربط بين الأجور والدعم، كما تشير النقابة، يعكس انزياحاً خطيراً في فهم العلاقة الشغلية داخل القطاع، حيث تتحول مسؤولية المقاولة تجاه العاملين إلى عبء قابل للتأجيل أو التبرير، وهو ما تعتبره النقابة مساساً مباشراً بجوهر قانون الشغل. كما أن استمرار هذا الوضع، في نظرها، لا يعكس فقط أزمة تدبير، بل يكشف هشاشة بنيوية تراكمت عبر سنوات من الارتجال في السياسات العمومية الموجهة للإعلام.
لكن خلف هذا السطح الظاهر من النقاش، تتكشف طبقات أعمق من الأزمة. فقطاع الصحافة لم يعد يعاني فقط من إشكاليات التمويل والتدبير، بل من اهتزاز في النموذج ذاته الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمقاولة الإعلامية والعاملين فيها. فالدعم العمومي، الذي وُضع في الأصل كآلية استثنائية خلال فترات الأزمة، خصوصاً خلال الجائحة، تحول تدريجياً إلى عنصر بنيوي غير مضبوط، يثير إشكالات الشفافية والتوزيع والتأثير غير المباشر على الاستقلالية التحريرية.
وفي هذا السياق، تربط النقابة بين الأزمة الاجتماعية داخل المؤسسات الإعلامية وبين مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرة أن تمرير هذا المشروع بمنهجية أحادية يعمّق أزمة الثقة داخل الجسم المهني، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة. فبدل أن يكون المجلس إطاراً للتوازن والتعددية، أصبح موضوعاً لسجال سياسي ومهني يعكس اختلالات أعمق في تدبير القطاع.
غير أن الصورة الكاملة للأزمة لا تكتمل دون التوقف عند الفئات الأكثر هشاشة داخل هذا المشهد الإعلامي، والتي تعيش خارج منطق الاستقرار الوظيفي التقليدي، وتواجه أوضاعاً اجتماعية ومهنية أكثر هشاشة، حيث تتفاقم هشاشة الدخل، وتضعف الحماية الاجتماعية، وتتقلص فرص الاستمرارية المهنية. هذا الواقع يعكس بدوره اتساع الفجوة داخل القطاع، بين مؤسسات منظمة نسبياً، وفضاء مهني غير مستقر يتغذى من نفس المنظومة دون أن يحظى بنفس مستويات الحماية والاعتراف الفعلي.
إن استمرار تأخير الأجور، وتداخل منطق الدعم مع التزامات الشغل، وغياب رؤية واضحة لإصلاح شامل، كلها عناصر تعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام أزمة ظرفية في التدبير، أم أمام أزمة نموذج كامل يحتاج إلى إعادة بناء من الأساس؟
في ظل هذا الوضع، تبدو دعوة النقابة إلى تفعيل الاتفاقية الجماعية، وإعادة ضبط آليات الدعم، وتوضيح المسؤوليات القانونية للمقاولات، محاولة لإعادة إدخال القطاع إلى منطقة “القاعدة القانونية” بدل تركه في منطقة التأويلات المتضاربة. لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم التوتر داخل منظومة فقدت جزءاً من توازنها بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
وبين خطاب المطالبة بالإصلاح، وواقع التأخر المتكرر في الأداءات، واستمرار الجدل حول الحكامة المهنية، يتضح أن أزمة الصحافة لم تعد أزمة قطاع فقط، بل أصبحت مرآة لأزمة أوسع في علاقة المجتمع بالمعلومة، وبشروط إنتاجها، وبالضمانات التي تحكمها.
إنها لحظة اختبار صعبة، لا للنقابة وحدها، بل لمنظومة كاملة تقف اليوم أمام سؤال الاستمرارية: بأي شروط ستستمر الصحافة، ولأي نموذج ستنتمي في المستقبل القريب؟