“أعطيوّني التزكية ولا جريو عليّا”: منطق الضغط السياسي يضع مصطفى لخصم ومحمد أوزين أمام مفترق حاسم داخل حزب الحركة الشعبية قبل الاستحقاقات المقبلة

0
103

في مشهد سياسي يختزل توتر ما قبل الاستحقاقات، لا تبدو خطوة مصطفى لخصم مجرد إعلان مغادرة لحزب، بقدر ما تعكس تحوّلاً أعمق في طريقة تدبير “الرأسمال الانتخابي” داخل الأحزاب المغربية، حيث تتحول التزكية من إجراء تنظيمي إلى أداة فرز سياسي وأخلاقي في الآن ذاته. قرار إنهاء ارتباطه بـحزب الحركة الشعبية، بعد لقاء مع أمينه العام محمد أوزين، لم يكن حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة شدّ وجذب تكشف عن اختلالات بنيوية في العلاقة بين الطموح الفردي والانضباط الحزبي.

من زاوية أولى، يبدو طلب “الطرد” بدل “الاستقالة” تفصيلاً تقنياً، لكنه في العمق يعكس وعياً تكتيكياً بقواعد اللعبة الانتخابية. فالقانون المنظم للحياة السياسية في المغرب لا يعاقب على الطرد، لكنه يجرّد المنتخب من مقعده في حالة الاستقالة، ما يجعل “الطرد” بوابة عبور قانونية نحو تموقع سياسي جديد دون كلفة تمثيلية. هنا يتحول القانون من أداة تأطير إلى أداة مناورة، وتصبح اللغة التنظيمية نفسها (استقالة/طرد) جزءاً من الاستراتيجية.

لكن خلف هذا التكتيك القانوني، تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً تتجاوز الشكل إلى الجوهر. هل كان ملف التزكية مجرد مسطرة إدارية لم تكتمل، كما يقول أوزين، أم أنه كان في حقيقته قراراً سياسياً مؤجلاً لتفادي الحرج؟ بمعنى آخر: هل أثّرت المتابعات القضائية التي طالت لخصم، والجدل المرتبط بملفات “الموظفين الأشباح” وخلافاته السابقة مع السلطات الترابية، في قرار عدم الحسم لصالحه؟ هذه النقطة تفتح الباب أمام قراءة ثانية تعتبر أن الأحزاب، في لحظات معينة، لا تختار مرشحيها فقط بناءً على الشعبية، بل أيضاً بناءً على “قابلية التسويق السياسي” ومخاطر الصورة.

في هذا السياق، يصبح موقف محمد أوزين مفهوماً من زاوية إدارة المخاطر: هل يمنح الحزب التزكية لشخص قد يتحول إلى عبء في حال تطورت متابعاته القضائية؟ وهل يمكن أن يخسر الحزب مقعداً برلمانياً بسبب سيناريو محتمل مرتبط بالمسار القضائي للمرشح؟ إنها معادلة دقيقة بين الربح الانتخابي السريع والخسارة الرمزية المحتملة، خصوصاً في سياق يتزايد فيه وعي الناخبين بصورة المرشحين وسلوكهم.

في المقابل، يطرح سلوك لخصم مفارقة لافتة: رجل أعلن أكثر من مرة نيته اعتزال السياسة، يعود اليوم بإصرار مضاعف على خوض غمارها. هل يتعلق الأمر بتحول في القناعة، أم بأن “الانسحاب” كان مجرد ورقة ضغط ضمن لعبة تفاوضية مع الحزب؟ هنا تتقاطع السياسة مع النفس البشرية: الطموح، الرغبة في الاعتراف، والخوف من الخروج من دائرة التأثير.

الأكثر إثارة في هذه القصة هو البعد شبه المسرحي للمشهد. مرشح يطلب الطرد، وأمين عام يرفض منح التزكية دون أن يرفضها رسمياً، وحزب يتمسك بالمساطر بينما الزمن السياسي يضغط. وكأننا أمام “مسرحية سياسية” تتوزع أدوارها بين بطل يسعى لتغيير القناع، ومخرج (الحزب) يحاول ضبط الإيقاع، وجمهور (الناخبين) يراقب بقدر من الشك والترقب.

لكن خلف هذا الطابع الدرامي، يظل السؤال الأعمق: هل نحن أمام أزمة فرد، أم أزمة نموذج؟ بمعنى، هل تعكس هذه الواقعة خللاً في تدبير حزب معين، أم أنها مؤشر على تحول أوسع في الحياة الحزبية المغربية، حيث لم تعد التزكية مجرد مكافأة للنضال، بل أصبحت نتيجة توازنات معقدة بين القانون، والصورة، والمخاطر، والفرص؟

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن السياق العام: اقتراب الانتخابات، تصاعد منسوب التنافس، وتزايد حساسية الأحزاب تجاه “كلفة المرشح”. وبين منطق الطموح الفردي وحسابات المؤسسة، تتشكل معادلة جديدة قد تعيد تعريف معنى الانتماء الحزبي نفسه: هل هو التزام طويل الأمد، أم مجرد محطة في مسار سياسي قابل لإعادة التموضع في أي لحظة؟