في السياسة كما في الملاكمة، لا تُحسم المعارك دائما داخل الحلبة، بل أحيانا أمام الكاميرات، حين تتحول الجملة الواحدة إلى ضربة قاضية، ويتحوّل الحوار التلفزيوني إلى امتحان علني لصلابة الزعيم وقدرته على التحكم في أعصابه وصورته أمام الناس. ذلك ما بدا واضحا في الحلقة الأخيرة من برنامج “للحديث بقية” على الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، حيث دخل الأمين العام لحزب حزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، إلى الاستوديو محاطا بأسئلة سياسية ثقيلة، لكنه خرج منه محاطا أكثر بعلامات استفهام.
منذ الدقائق الأولى، لم يكن النقاش عاديا. الأسئلة جاءت مباشرة، حادة، ومبنية على ملفات ظل الرأي العام يتابعها منذ أشهر، من قانون الإضراب إلى الرقابة البرلمانية، ومن لجان تقصي الحقائق إلى طبيعة العلاقة التي تجمع الأحزاب بوزارة الداخلية خلال مرحلة التزكيات الانتخابية.
لكن الإيقاع الحقيقي للحلقة تغيّر حين انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر حساسية، مع بروز ملف مصطفى لخصم، حيث أطلق أوزين عبارة مثيرة مفادها أن الرجل “عندو خمسة ديال المتابعات القضائية”، في لحظة بدت وكأنها محاولة لإعادة رسم موازين القوة داخل النقاش السياسي في الاستوديو.
غير أن ما بدا هجوما محسوبا سرعان ما انقلب إلى وضع دفاعي متوتر. فكلما توالت الأسئلة، اتسعت الهوة بين الخطاب السياسي التقليدي وبين أسئلة الإعلام الذي لم يعد يكتفي بالعناوين الكبرى، بل يذهب مباشرة إلى التفاصيل المحرجة. وفي لحظات معينة، ظهر التوتر واضحا على أوزين، خصوصا حين طُرحت أسئلة مرتبطة بقرارات الحزب داخل البرلمان وبحدود تأثيره في الشارع والاحتجاجات، ليتحول النقاش من مجرد حوار سياسي إلى اختبار مباشر لصورة الحزب وقدرته على تقديم خطاب متماسك تحت الضغط.
وفي خضم هذا التوتر، برزت عبارة “مكلفون بمهمة” التي استعملها أوزين في توصيف الصحافيين المحاورين داخل الاستوديو، في إشارة بدت كرد فعل على طبيعة الأسئلة الحادة. لكنها في العمق فتحت نقاشا أوسع من حدود الحلقة: علاقة السياسي بالإعلام العمومي، وحدود المسافة بين من يصنع الخطاب ومن يفككه أمام الجمهور، وهل نحن أمام حوار متكافئ أم مواجهة غير متوازنة بين سلطة الخطاب وسلطة السؤال.
أوزين تحت ضغط الكاميرا… ومن وصفهم بـ«مكلّفين بمهمة» يفتحون مواجهة بين الخطاب السياسي وصلابة السؤال في التلفزة العمومية pic.twitter.com/CPlgsjPG9a
— المغرب الآن Maghreb Alan (@maghrebalaan) May 15, 2026


