من 1.800 إلى 5.200 درهم… كيف فجّر دعم “خروف العيد” أرباح المستوردين والوسطاء بدل إنقاذ القدرة الشرائية للمغاربة

0
108
صورة: و.م.ع

ليس غريباً أن يتحول الحديث عن خروف العيد في المغرب من طقس ديني واجتماعي إلى نقاش يومي عن الأسعار والاحتكار والقدرة الشرائية. في الأزقة والأسواق والمقاهي، لم يعد السؤال هذه السنة: “هل اشتريت الأضحية؟”، بل صار: “كيف وصل ثمن خروف متوسط إلى أكثر من خمسة آلاف درهم؟”. سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يخفي خلفه شبكة معقدة من الدعم العمومي، والإعفاءات الضريبية، ولوبيات الاستيراد، وسوقاً فقد توازنه بين حماية المواطن وحماية الأرباح.

التحقيق الاستقصائي الذي نشرته مجلة “ملفات”، بالاستناد إلى معطيات رسمية صادرة عن مكتب الصرف، لا يكتفي بعرض أرقام صادمة، بل يكشف مفارقة تضع الرأي العام أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية: كيف تتحول سياسة حكومية هدفها المعلن هو تخفيف الغلاء، إلى آلية تنتهي عملياً بتضخم أرباح الوسطاء والمستوردين، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف؟

وفق المعطيات الرسمية المتعلقة باستيراد الأغنام من إسبانيا خلال موسمي عيد الأضحى لسنتي 2023 و2024، فإن السعر الأصلي للخروف في بلد المنشأ تراوح ما بين 1,471 درهماً و1,800 درهم فقط. أرقام تبدو بعيدة تماماً عن الأسعار التي صدمت المغاربة داخل الأسواق الوطنية، حيث تجاوز ثمن الخروف متوسط الحجم 5,200 درهم في حالات عديدة.

لكن المفارقة لا تتوقف هنا. فالدولة، تحت ضغط ارتفاع الأسعار والخوف من ندرة الأضاحي، لم تترك المستوردين يواجهون السوق وحدهم، بل فتحت أمامهم أبواب امتيازات استثنائية. دعم مباشر بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم، بإجمالي بلغ 437 مليون درهم، إضافة إلى إعفاء كامل من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة. أي أن المستورد لم يكن يؤدي تقريباً الكلفة الحقيقية المعتادة التي تتحملها عمليات الاستيراد في الظروف العادية.

وعندما تُضاف تكاليف النقل البحري والبري، التي قُدرت في حدود 10 دراهم للكيلوغرام الحي، فإن التكلفة النهائية الحقيقية للخروف، وفق خلاصات التحقيق، لم تكن تتجاوز بين 1,300 و1,700 درهم للرأس الواحد. هنا يبدأ السؤال الذي يتردد داخل الشارع المغربي بقوة: كيف قفز السعر من أقل من ألفي درهم إلى أكثر من خمسة آلاف؟

الفارق المالي، الذي يقترب من 3,500 درهم في كل رأس، لا يمكن تفسيره فقط بمنطق السوق أو العرض والطلب. لأن الدولة، نظرياً، تدخلت أصلاً لتخفيف أثر السوق على المواطن. لكن ما حدث عملياً يكشف أن جزءاً من منظومة الوساطة والاحتكار استطاع امتصاص أثر الدعم العمومي وتحويله من حماية اجتماعية إلى فرصة لمراكمة الأرباح.

الأخطر في القضية ليس فقط حجم الأرباح، بل طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تكشفه. فالمواطن الذي تُقتطع الضرائب من دخله المحدود ساهم، بشكل غير مباشر، في تمويل دعم الاستيراد، ثم عاد ليشتري الخروف نفسه بثلاثة أضعاف كلفته تقريباً. بمعنى آخر، المواطن دفع مرتين: مرة عبر المال العام، ومرة داخل السوق.

هذا الواقع يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول “اقتصاد الريع” في المغرب، حيث تتحول بعض الأزمات إلى فرص استثنائية لفئات محدودة تملك القدرة على الوصول إلى الامتيازات، بينما يتحمل المجتمع كلفة الاختلالات. فحين تمنح الدولة دعماً بهذا الحجم دون آليات صارمة للمراقبة وتحديد سقف الأرباح، يصبح السوق مفتوحاً أمام المضاربة أكثر من كونه فضاءً للمنافسة العادلة.

كما أن القضية تطرح سؤالاً مؤسساتياً أكثر عمقاً: أين تنتهي مسؤولية الحكومة؟ هل يكفي الإعلان عن الدعم والإعفاءات لاعتبار أن الدولة قامت بواجبها؟ أم أن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد الدعم، عبر مراقبة مسارات التوزيع والأسعار وهوامش الربح؟ لأن الدعم، في النهاية، ليس هبة للمستوردين، بل مال عمومي يفترض أن ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.

اجتماعياً، تركت هذه الأزمة آثاراً تتجاوز الأرقام. فالكثير من الأسر المغربية وجدت نفسها أمام عيد مثقل بالقلق بدل الفرح. بعض العائلات اضطرت للاستدانة، وأخرى تخلت عن شعيرة الأضحية لأول مرة منذ سنوات، بينما شعر جزء واسع من الطبقة المتوسطة بأن المسافة بينها وبين أبسط الطقوس الاجتماعية أصبحت تتسع بشكل مخيف.

أما سياسياً، فإن هذا النوع من الملفات يعمق فقدان الثقة بين المواطن والخطاب الرسمي. لأن المغاربة سمعوا كثيراً عن “دعم القدرة الشرائية”، لكنهم في الواقع شاهدوا الأسعار ترتفع بشكل غير مسبوق. وحين تصبح الأرقام الرسمية نفسها دليلاً على حجم الفجوة، يتحول السؤال من أزمة أسعار إلى أزمة حكامة ومحاسبة.

وربما هنا تكمن خطورة القضية الحقيقية. فالمشكل لم يعد فقط في ثمن خروف عيد، بل في نموذج كامل يجعل الدعم العمومي عاجزاً عن الوصول إلى من صُنع من أجلهم. نموذج يطرح سؤالاً أكبر من الأضحية نفسها: عندما يصبح المال العام أداة لتضخم ثروات قلة قليلة، فمن يحمي المواطن من السوق… ومن يحمي الدولة نفسها من اللوبيات؟