إيران الجديدة.. انتقال من “الجمهورية العقائدية” إلى “الدولة الأمنية”

0
42
تشير غالبية الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية الغربية والشرق أوسطية خلال عام 2026 إلى أن إيران دخلت بالفعل مرحلة مختلفة في بنية صناعة القرار، تقوم على صعود جيل جديد من النخب الأمنية والعسكرية المرتبطة بالحرس الثوري، مقابل تراجع الوزن التقليدي للمؤسسة الدينية والسياسية الكلاسيكية. وتصف تحليلات عديدة هذا التحول بأنه انتقال تدريجي من “النظام الثوري العقائدي” إلى “الدولة الأمنية المركزية” التي تعطي الأولوية المطلقة للاستقرار الداخلي والبقاء السياسي حتى لو جاء ذلك على حساب المرونة السياسية أو الانفتاح الداخلي.
رجل في أحد شوارع طهران يمر أمام لافته عليها صور المرشد السابق على خامنئي (يمين) والمرشد الحالي مجتبى خامنئي (يسار) - مصدر الصورة: AFP

تشير غالبية الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية الغربية والشرق أوسطية خلال عام 2026 إلى أن إيران دخلت بالفعل مرحلة مختلفة في بنية صناعة القرار، تقوم على صعود جيل جديد من النخب الأمنية والعسكرية المرتبطة بالحرس الثوري، مقابل تراجع الوزن التقليدي للمؤسسة الدينية والسياسية الكلاسيكية. وتصف تحليلات عديدة هذا التحول بأنه انتقال تدريجي من “النظام الثوري العقائدي” إلى “الدولة الأمنية المركزية” التي تعطي الأولوية المطلقة للاستقرار الداخلي والبقاء السياسي حتى لو جاء ذلك على حساب المرونة السياسية أو الانفتاح الداخلي.

وتؤكد دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية مهتمة بالشأن الإيراني أن النخبة الجديدة في طهران لم تعد تنظر إلى العالم من زاوية “تصدير الثورة” بالمفهوم التقليدي فقط، بل من منظور أكثر براغماتية يقوم على إدارة الصراع طويل الأمد، وتوزيع أدوات النفوذ، وبناء قدرة الدولة على الصمود أمام العقوبات والضغوط والحروب المركبة. ويبدو أن التجارب التي مرت بها إيران خلال السنوات الأخيرة، سواء اقتصاديًا أو عسكريًا أو اجتماعيًا، دفعت صناع القرار الجدد إلى تبني عقلية “التحصين الاستراتيجي” بدلًا من البحث عن تسويات كبرى مع الغرب.

الحرس الثوري.. اللاعب الأكثر تأثيرًا في عقل الدولة الإيرانية

تكاد تتفق معظم مراكز الدراسات الدولية على أن الحرس الثوري الإيراني أصبح اليوم القوة الأكثر تأثيرًا في هندسة القرار السياسي والأمني والاستراتيجي داخل الجمهورية الإسلامية. فوفقًا لتحليلات منشورة خلال الأشهر الأخيرة، لم يعد الحرس مجرد مؤسسة عسكرية موازية، بل تحول إلى “شبكة حكم” متكاملة تمتلك نفوذًا داخل الاقتصاد والأمن والسياسة والإعلام والسياسة الخارجية.

وتوضح الدراسات أن صناع القرار الجدد داخل إيران ينتمون بدرجات متفاوتة إلى البيئة الفكرية للحرس الثوري، وهي بيئة تؤمن بأن التهديدات الخارجية مستمرة بطبيعتها، وأن أي تراجع استراتيجي سيُفسر باعتباره نقطة ضعف قد تُستغل لإسقاط النظام. لذلك تميل هذه النخبة إلى التفكير بمنطق “الردع غير المتكافئ”، أي الاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والشبكات الإقليمية والحروب غير المباشرة بدلًا من المواجهة العسكرية التقليدية المفتوحة.

كما تشير تحليلات أخرى إلى أن الحرس الثوري لا يفكر فقط بعقلية عسكرية، بل بعقلية “إدارة الدولة تحت الحصار”، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد ببناء اقتصاد موازٍ، وتعزيز الصناعات المحلية، وتوسيع الشراكات مع روسيا والصين، وتقليل الاعتماد على الغرب ماليًا وتقنيًا وسياسيًا.

“البقاء قبل الإصلاح”.. الفلسفة الحاكمة للنخبة الإيرانية الجديدة

إحدى أبرز الخلاصات التي تكررت في تقارير مراكز الأبحاث هي أن القيادة الإيرانية الحالية ترى أن أولوية المرحلة ليست الإصلاح السياسي، بل الحفاظ على تماسك الدولة ومنع الانهيار الداخلي. ولذلك تميل دوائر القرار إلى النظر لأي احتجاجات داخلية أو ضغوط خارجية باعتبارها جزءًا من “حرب استنزاف شاملة” تستهدف بنية النظام نفسه، وليس فقط سياساته.

هذا التفكير أدى إلى تصاعد ما تسميه بعض الدراسات بـ”أمننة السياسة”، أي إخضاع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمنطق أمني صارم. فبدلًا من الفصل بين السياسة والأمن، أصبح الأمن القومي هو الإطار الذي تُدار من خلاله جميع الملفات تقريبًا. وتشير تقارير استراتيجية إلى أن النخبة الجديدة مقتنعة بأن التجارب التي شهدتها دول المنطقة بعد الربيع العربي أثبتت أن الأنظمة التي فقدت السيطرة الأمنية دخلت سريعًا في دوامات انهيار وفوضى، وهو ما تسعى طهران لتجنبه بأي ثمن.

كيف تنظر طهران الجديدة إلى الولايات المتحدة والغرب؟

تكشف التحليلات الحديثة أن صناع القرار الجدد في إيران لا يعتقدون بإمكانية بناء شراكة استراتيجية مستقرة مع الولايات المتحدة، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مرحلية. ووفقًا لدراسات منشورة خلال عام 2026، فإن المؤسسة الأمنية الإيرانية تنظر إلى واشنطن باعتبارها خصمًا طويل الأمد يسعى إلى احتواء إيران إقليميًا وتقويض مشروعها الاستراتيجي.

لكن اللافت أن هذا الجيل لا يرفض التفاوض بالكامل، بل يتعامل معه باعتباره أداة لإدارة التوازنات وكسب الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وليس كبوابة لتغيير جوهري في طبيعة النظام. ولهذا السبب تميل طهران إلى اعتماد سياسة “التفاوض تحت الضغط المتبادل”، أي الجمع بين التصعيد العسكري المحدود والانفتاح السياسي التكتيكي في الوقت نفسه.

وترى بعض مراكز الدراسات أن القيادة الإيرانية الحالية أصبحت أكثر اقتناعًا بأن مستقبل النظام يعتمد على قدرته على فرض معادلة ردع تجعل تكلفة استهداف إيران أو إسقاط النظام مرتفعة جدًا بالنسبة لخصومها، وهو ما يفسر التركيز المستمر على تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والشبكات الإقليمية.

جيل جديد من السياسيين الأمنيين

تشير دراسات متخصصة إلى بروز شخصيات جديدة داخل إيران تجمع بين الخلفية العسكرية والخبرة التنفيذية، وهو نموذج مختلف عن النخبة الدينية التقليدية التي حكمت إيران لعقود. وتبرز في هذا السياق شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري لكنها تمتلك أيضًا خبرة في الإدارة والاقتصاد والعمل البرلماني، ما يعكس تحولًا في مفهوم “رجل الدولة” داخل الجمهورية الإسلامية.

وتصف بعض التحليلات هذا التحول بأنه “عسكرة ناعمة للسياسة”، حيث لا يتم إلغاء المؤسسات المدنية رسميًا، لكن القرار الحقيقي ينتقل تدريجيًا إلى دوائر أمنية أكثر انضباطًا وتنظيمًا. كما أن هذا الجيل يميل إلى التفكير البراغماتي في الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات الدولية، مع احتفاظه بالخطاب العقائدي التقليدي كأداة تعبئة داخلية وخارجية.

إيران ما بعد 2026.. نظام أكثر صلابة أم أكثر هشاشة؟

الانقسام الأكبر بين مراكز الدراسات العالمية لا يتعلق بحجم نفوذ الحرس الثوري، بل بنتائج هذا النفوذ على المدى الطويل. فبعض التحليلات ترى أن تركيز السلطة داخل المؤسسة الأمنية قد يمنح النظام قدرة أكبر على الصمود والتماسك في مواجهة الأزمات. بينما تحذر تحليلات أخرى من أن الإفراط في الأمننة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويخلق أزمات شرعية داخلية يصعب احتواؤها مستقبلًا.

ومع ذلك، يبدو واضحًا أن إيران الحالية تتحرك وفق عقلية استراتيجية جديدة عنوانها الأساسي: “البقاء أولًا، ثم التكيف”. وهي عقلية ترى أن العالم دخل مرحلة صراعات مفتوحة وطويلة، وأن الدول القادرة على الصمود ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، بل الأكثر قدرة على بناء مؤسسات أمنية متماسكة، وشبكات نفوذ مرنة، واقتصاد يتحمل الضغوط، ومجتمع يمكن السيطرة على اضطراباته. ولهذا السبب، فإن فهم إيران الجديدة يتطلب قراءة الدولة باعتبارها مشروع “أمن قومي دائم” أكثر من كونها مجرد نظام سياسي تقليدي.