« 13 مليارًا للمستوردين… و”الضحية” على المغاربة: تشريح اقتصاد الريع في فضيحة اللحوم »

0
137
TelQuel

في صباحات كثيرة داخل الأسواق المغربية، لم يعد المواطن يسأل الجزار عن جودة اللحم، بل عن قدرته على شراء نصف كيلو دون أن يختل توازن مصروف الأسبوع. صار مشهد الوقوف أمام واجهات اللحوم أشبه بامتحان يومي للقدرة الشرائية، حيث يتحول اللحم، الذي كان جزءًا عادياً من المائدة المغربية، إلى مادة تقاس بالقلق أكثر مما تقاس بالميزان. وبينما كان الخطاب الرسمي يتحدث عن “دعم الاستيراد” من أجل خفض الأسعار وحماية القطيع الوطني، كانت أرقام أخرى تتشكل في الخلفية بصمت، قبل أن يفتح تحقيق مجلة TelQuel الباب على واحدة من أكثر القضايا إثارة للأسئلة حول طبيعة الاقتصاد المغربي وحدود العلاقة بين المال والسلطة والسياسة.

التحقيق لا يتحدث فقط عن استيراد لحوم، بل عن منظومة كاملة تكشف كيف يمكن للمال العمومي أن يتحول، في لحظات الأزمات، إلى فرصة استثنائية لصناعة الثروات السريعة. الحديث هنا عن 13,1 مليار درهم جرى توزيعها، بين دعم وإعفاءات ضريبية وجمركية، خلال فترة قصيرة امتدت بين 2022 و2025، لفائدة ما يقارب مئتي مستفيد. رقم ضخم يكفي، كما تمت الإشارة إليه، لبناء وتجهيز ثلاثة مستشفيات جامعية كبرى، في بلد ما تزال فيه مواعيد العلاج الطويلة ونقص البنيات الصحية جزءًا من الحياة اليومية للمواطنين.

الأخطر في القضية ليس فقط حجم الأموال، بل الطريقة التي يكشف بها التحقيق عن ولادة شركات على المقاس، أو تغيير أنشطة شركات قائمة بشكل مفاجئ لتلتحق بسباق الاستفادة من “كنز الاستيراد”. هنا لا يعود الأمر مجرد قرار اقتصادي اتخذته الحكومة لمواجهة أزمة ارتفاع الأسعار، بل يتحول إلى نموذج كلاسيكي لما يسميه المغاربة منذ سنوات بـ”اقتصاد الريع”، حيث تصبح الأزمة نفسها فرصة لإعادة توزيع الامتيازات على دائرة محدودة من المحظوظين القادرين على الوصول إلى مفاتيح القرار أو القرب من شبكات النفوذ.

وحين يقارن التحقيق بين أسعار شراء اللحوم في إسبانيا وحجم الدعم العمومي الممنوح، ثم يقارن ذلك بالسعر النهائي الذي يباع به اللحم داخل المغرب، تظهر هوامش ربح تبدو صادمة حتى وفق منطق السوق الحر نفسه. كأن الدعم الذي قُدِّم باسم حماية المستهلك انتهى عمليًا إلى حماية أرباح المستوردين أكثر من حماية القدرة الشرائية للمواطن. وهنا تتجلى المفارقة المغربية القاسية: الدولة تضخ أموالاً ضخمة لتخفيف الأزمة، لكن المواطن لا يشعر فعليًا بانخفاض الأسعار، فيما يخرج بعض الفاعلين الاقتصاديين بأرباح استثنائية خلال ظرف زمني قياسي.

هذه القضية تعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل يطارد النموذج الاقتصادي المغربي منذ عقود: هل نحن أمام اقتصاد تنافسي حقيقي، أم أمام اقتصاد مناسبات وأزمات، حيث تتحول كل لحظة اضطراب إلى فرصة لإعادة إنتاج الامتيازات؟ ففي دول كثيرة، يُفترض أن يؤدي فتح باب الاستيراد وإلغاء الرسوم الجمركية إلى انخفاض الأسعار تدريجياً بفعل المنافسة. لكن ما حدث في المغرب، وفق ما تكشفه المعطيات المتداولة، يوحي بأن حلقات الوساطة والاحتكار والريع كانت أقوى من منطق السوق نفسه.

النتيجة لم تكن مجرد أرقام في تقارير مالية، بل انعكست مباشرة على الحياة الاجتماعية للمغاربة. استمرار ارتفاع أسعار اللحوم ساهم في إنهاك الأسر، وخلق شعوراً جماعياً بالعجز، بلغ ذروته مع الجدل الكبير الذي رافق عيد الأضحى الماضي، حين وجد آلاف المغاربة أنفسهم غير قادرين على تحمل تكاليف الأضحية. وهنا تتحول القضية من ملف اقتصادي إلى جرح رمزي داخل مجتمع يرتبط فيه عيد الأضحى بأبعاد دينية واجتماعية ونفسية عميقة. فحين يشعر المواطن أن حتى الطقوس الجماعية أصبحت رهينة المضاربات والأسعار الملتهبة، فإن الأمر يتجاوز الاستهلاك إلى الإحساس بفقدان الأمان الاجتماعي نفسه.

الأبعد من ذلك أن سياسة الاستيراد المكثف تطرح سؤالاً آخر أكثر خطورة يتعلق بمستقبل القطيع الوطني والسيادة الغذائية. لأن الاعتماد المتزايد على الخارج، بدل بناء استراتيجية حقيقية لدعم الفلاح والكساب المغربي، قد يحول البلاد تدريجياً إلى سوق استهلاكية مرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية. أي أن الحل الظرفي قد يتحول إلى تبعية دائمة، بينما يتراجع الإنتاج المحلي تحت ضغط المنافسة غير المتكافئة والأزمات المتكررة.

وفي قلب كل هذا، تعود كلمات مثل “الشفافية” و”الحكامة” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة” لتطفو من جديد، لكن هذه المرة وسط شعور متزايد لدى جزء من الرأي العام بأن هذه المفاهيم تُستهلك في الخطابات أكثر مما تُترجم إلى وقائع ملموسة. فالمغاربة لا يناقشون فقط ارتفاع الأسعار، بل يناقشون الإحساس بأن هناك اقتصادين يعيشان داخل البلد نفسه: اقتصاد للمواطن الذي يحسب ثمن اللحم بالدرهم، واقتصاد آخر تتحول فيه الأزمات إلى مناجم مفتوحة للأرباح السريعة.

وربما لهذا السبب تتجاوز “فضيحة الفراشية” حدود ملف استيراد اللحوم، لتصبح مرآة تكشف سؤالاً أعمق بكثير: كيف يمكن لدولة تتحدث عن النموذج التنموي الجديد والعدالة الاجتماعية أن تقنع مواطنيها بالإصلاح، إذا كان كل دعم استثنائي يتحول في النهاية إلى فرصة استثنائية لتضخم الريع؟ لأن أخطر ما تتركه مثل هذه القضايا ليس فقط استنزاف المال العام، بل استنزاف الثقة نفسها… والثقة، حين تتآكل داخل المجتمعات، تصبح أغلى من كل مليارات الدعم.