« من ثمن الأضحية إلى سؤال الانكسار الكبير… كيف يتحول المواطن في المجتمعات الهشة من فاعل في الحياة إلى متفرج عاجز على مسرح لا يملك تذكرة دخوله »

0
133

مقال الزميلة لبنى الفلاح المنشور في الحياة اليومية لا يمكن قراءته كخبر عابر عن غلاء الأضاحي فقط، بل كنصٍّ صحافي يحاول أن يحوّل السوق الشعبي إلى مرآة سياسية واجتماعية تكشف أعطاب الدولة والسوق والتمثيل السياسي معًا. النص يقوم على بناء سردي متدرج؛ يبدأ من صورة يومية بسيطة، ثم يتوسع نحو تفكيك البنية الاقتصادية والسياسية، قبل أن ينتهي بخلاصة انتخابية تحمل موقفًا واضحًا وصريحًا.

في الفقرة الأولى، تكتب لبنى الفلاح مشهد السوق بتفاصيل حسية كثيفة: الحرارة، العرق، الروائح، الغبار، أصوات الباعة، الأرقام المتطايرة، وارتباك المواطن البسيط الذي يبحث عن “خروف الوزير” فلا يجده. هنا تحوّل الكاتبة السوق إلى مسرح اجتماعي كامل، وتنجح في خلق صورة سينمائية قريبة من أدب الواقعية الاجتماعية. قوة هذه الفقرة أنها لا تبدأ بالأرقام ولا بالسياسة، بل تبدأ بالإنسان المغربي المرهق نفسيًا واقتصاديًا. نحن أمام صحافة سردية تستثمر التفاصيل الصغيرة لإظهار الانهيار الكبير.

لكن ما يُؤخذ على هذه الفقرة هو أنها تنزلق أحيانًا نحو التكديس الوصفي المفرط، حيث تتحول كثافة الصور إلى عبء على الإيقاع الصحافي. فبدل أن تخدم كل صورة المعنى، تصبح بعض التفاصيل زينة لغوية أكثر منها ضرورة تحليلية. ومع ذلك، تبقى الفقرة ناجحة في تأسيس المزاج العام للنص: مغربي يبحث عن الأضحية فلا يجد سوى الإحباط.

عندما تقول الكاتبة إن “العربي” عاد إلى منزله دون خروف ثم جلس مع صديقه “البشير” يحتسي قهوة رخيصة ويفرغ ضغوطه في سجائر رديئة، فهي هنا لا تصف فردًا بعينه، بل تصف طبقة اجتماعية كاملة تعيش حالة تطبيع مع الحرمان. هذه من أقوى لحظات المقال، لأن النص ينتقل من الاقتصاد إلى علم النفس الاجتماعي؛ من سؤال “كم ثمن الخروف؟” إلى سؤال أخطر: كيف يتعايش المجتمع مع فقدان القدرة الشرائية دون انفجار؟

ثم تنتقل لبنى الفلاح إلى توسيع المشهد جغرافيًا عبر ذكر أسواق متعددة من تيسة إلى إنزكان. هذه التقنية مهمة لأنها تمنح النص بعدًا وطنيًا، وكأن الأزمة لم تعد مرتبطة بمدينة أو ظرف موسمي، بل أصبحت حالة مغربية عامة. كما أن إدخال البعد الديني المتعلق بكون الأضحية “سنة مؤكدة وليست فرضًا” يكشف محاولة لتخفيف الضغط الأخلاقي عن الفقراء. هنا يظهر الجانب الإنساني في المقال بوضوح، لأن الكاتبة لا تكتفي بوصف العجز، بل تحاول تحرير المواطن من شعور الذنب الاجتماعي.

غير أن هذه الفقرة تحديدًا تكشف أيضًا أحد أكبر إشكالات النص: الانتقال السريع من الوصف الصحافي إلى التوجيه المباشر. فالصحافة التحليلية القوية تطرح الأسئلة وتفتح النقاش، لكنها لا تتحول بسهولة إلى خطاب وعظي أو إرشادي، لأن ذلك قد يضعف المسافة المهنية بين الصحافي والقارئ.

في الجزء المتعلق بدعم القطيع، تدخل الكاتبة إلى ما يشبه الصحافة التفسيرية. تشرح آليات إحصاء الماشية وترقيمها والدعم المخصص للذكور والإناث، ثم تنقل رواية “الكسابة” حول الاختلالات والتلاعبات. هذه من أهم نقاط قوة المقال، لأن النص هنا يغادر الانطباع العام نحو محاولة فهم البنية التقنية والإدارية التي تتحكم في القطاع. كما أن التركيز على الكسّاب الصغير والمتوسط يضيف بعدًا طبقيًا مهمًا؛ فالكاتبة لا تقدم الفلاح كعدو للمستهلك، بل كضحية أخرى داخل سلسلة اقتصادية مختلة.

لكن هنا تظهر الحاجة إلى توثيق أكبر. فالنص يعتمد أساسًا على روايات شفوية من “الكسابة” دون إسناد بمعطيات رسمية أو تقارير مؤسساتية أو أرقام مقارنة. في الصحافة التحليلية المعمقة، لا يكفي نقل الإحساس بالظلم، بل يجب بناء ملف أدلة يربط الاتهام بالمعطيات. لأن القارئ يحتاج أن يعرف: كم حجم الدعم؟ من استفاد؟ ما هي تقارير المجلس الأعلى للحسابات؟ أين فشل الاستيراد؟ هنا كان يمكن للمقال أن يتحول من نص قوي انفعاليًا إلى تحقيق أقوى مؤسساتيًا.

عندما تصل لبنى الفلاح إلى الحديث عن “الحكومة الهجينة” والأنظمة غير الديمقراطية، ينتقل النص من الصحافة الاجتماعية إلى المقال السياسي الفكري. الكاتبة هنا تحاول تفسير الغلاء ليس باعتباره أزمة موسمية، بل نتيجة بنية حكم كاملة تقوم – حسب تصورها – على الاحتكار وضعف الشفافية وتغليب المصالح الاقتصادية للنخب. هذا الانتقال جريء لأنه يربط ثمن الخروف بطبيعة النظام السياسي نفسه، وهي زاوية تحليلية نادرًا ما تحضر بهذا الوضوح في الصحافة اليومية.

غير أن هذا الجزء تحديدًا هو الأكثر حساسية في النص. فالكاتبة تطرح أحكامًا سياسية عامة وكبيرة من قبيل “الدولة تحتكر الإعلام” أو “الإنتاج الفكري المخالف يصنف كتهديد أمني”، وهي أطروحات تحتاج إلى بناء توثيقي وتحليلي أعمق حتى لا تبدو أقرب إلى خطاب سياسي مباشر. هنا يضعف التوازن بين الصحافة والرأي؛ إذ يتحول النص تدريجيًا من تحليل إلى موقف أيديولوجي واضح.

أما النقلة الأكبر والأكثر إثارة للجدل فتظهر في الخاتمة، حين تنتقل الكاتبة من نقد الحكومة الحالية إلى الدعوة الضمنية للتصويت لصالح حزب حزب العدالة والتنمية مع مقارنة مباشرة بحكومة عبد الإله بنكيران وحكومة عزيز أخنوش. هنا يغادر المقال منطقة “التحليل الصحافي” ويدخل بوضوح إلى “الموقف السياسي”. فالصحافي من حقه امتلاك قناعة سياسية، لكن حين يتحول النص من تفكيك الأزمة إلى توجيه انتخابي شبه مباشر، يصبح السؤال المهني مشروعًا: هل نحن أمام مقال تحليل أم افتتاحية سياسية؟

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن نهاية المقال ذكية من الناحية السردية. فالكاتبة تعود إلى شخصية “العربي” التي بدأت بها النص، لتقول للقارئ إن بيع الصوت الانتخابي اليوم يعني إعادة إنتاج المعاناة نفسها غدًا. هذا الربط بين السلوك الانتخابي والواقع المعيشي يمنح المقال دائرة سردية مغلقة ومتناسكة، ويجعل النهاية تحمل أثرًا نفسيًا وسياسيًا قويًا.

في المجمل، نجحت لبنى الفلاح في كتابة نص يشتغل على الإنسان قبل الأرقام، وعلى السوق باعتباره مختبرًا اجتماعيًا وسياسيًا. قوة المقال تكمن في لغته الحية، وسرده البصري، وقدرته على تحويل مشهد شعبي بسيط إلى نقاش حول الدولة والاقتصاد والديمقراطية. لكنه في المقابل يقع أحيانًا في فخ التوسع الأيديولوجي، والتوجيه السياسي المباشر، وضعف التوثيق المؤسساتي مقارنة بحجم الاتهامات المطروحة.

النص في جوهره ليس فقط عن ثمن الأضحية، بل عن سؤال أكبر بكثير: كيف يتحول المواطن في المجتمعات الهشة من فاعل اقتصادي وسياسي إلى مجرد متفرج على حياة لم يعد قادرًا على تحمل تكلفتها؟