« ثلاثة عشر عامًا خلف القضبان… لكن هل ستعود أموال الشعب؟ سؤال يطارد قضية مبديع ويهزّ معنى العدالة »

0
147

في المقاهي الشعبية، وفي سيارات الأجرة، وحتى أمام شبابيك الإدارات التي يقف فيها المواطن لساعات طويلة من أجل وثيقة بسيطة، يتكرر السؤال نفسه كلما انفجر ملف فساد جديد في المغرب: هل يدخل المسؤول السجن فعلًا لأنه أفسد، أم لأن الزمن السياسي الذي كان يحميه انتهى فقط؟ وحين صدر الحكم على الوزير السابق محمد مبديع بثلاث عشرة سنة سجناً نافذاً، لم يتوقف الناس كثيرًا عند رقم العقوبة، بقدر ما توقفوا عند شيء آخر أكثر إيلامًا: أين ذهبت الأموال؟ وهل ستعود يومًا إلى الدولة أم أن المغاربة سيكتفون مرة أخرى بصورة مسؤول يدخل السجن بينما تبقى الثروة التي راكمها خارج الأسوار؟

القضية التي بدأت بشكاية رفعتها الجمعية المغربية لحماية المال العام لم تكن مجرد نزاع إداري حول صفقات جماعة ترابية. شيئًا فشيئًا، تحولت إلى صورة مكثفة عن علاقة طويلة ومعقدة بين السلطة المحلية والمال والنفوذ السياسي. فالرجل لم يكن موظفًا صغيرًا سقط في خطأ معزول، بل شخصية سياسية وازنة راكمت النفوذ لعقود، شغلت مناصب وزارية وبرلمانية حساسة، ووصلت إلى رئاسة لجنة العدل نفسها داخل مجلس النواب. وهنا يبدأ التناقض الذي يصدم الرأي العام: كيف يمكن لمن كان في قلب المؤسسات المكلفة بالتشريع والرقابة أن يجد نفسه متابعًا بتهم تتعلق بتبديد المال العام والتزوير واستغلال النفوذ؟

الملف، كما تكشفه التحقيقات والتقارير المتداولة، لا يتحدث فقط عن اختلالات تقنية في التدبير، بل عن بنية كاملة من العلاقات التي تسمح بتحويل الجماعات الترابية أحيانًا إلى فضاءات مغلقة لإعادة توزيع الصفقات والمصالح والنفوذ. فالكثير من المواطنين الذين تابعوا القضية لم يعودوا ينظرون إلى الفساد باعتباره مجرد سرقة مباشرة للأموال، بل باعتباره منظومة متكاملة تُهدر من خلالها فرص التنمية نفسها. حين تُبدد الملايير في صفقات مشبوهة، لا تضيع الأرقام فقط، بل تضيع معها طرق لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، ومدارس بقيت مهترئة، وفرص شغل لم ترَ النور.

لهذا بدا الحكم، بالنسبة إلى شريحة واسعة من المغاربة، وكأنه يحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، هناك شعور بأن الدولة بدأت أخيرًا تُظهر نوعًا من الصرامة تجاه شخصيات كانت تُعتبر إلى وقت قريب فوق المساءلة. ومن جهة أخرى، هناك خوف عميق من أن تتحول هذه الملفات إلى مجرد لحظات غضب قضائي تنتهي بالسجن دون استرجاع حقيقي للثروة التي خرجت من المال العام نحو الحسابات الخاصة أو الممتلكات أو الشركات أو حتى الخارج.

هذا السؤال تحديدًا هو ما جعل النقاش يتجاوز شخص محمد مبديع نفسه. لأن المغاربة، وهم يتابعون قضايا مماثلة في دول أخرى، يعرفون أن العدالة الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد سنوات السجن، بل بقدرة الدولة على تتبع مسار الأموال واستعادتها. فالدول التي تخوض فعلًا حربًا ضد الفساد لا تكتفي باعتقال المسؤول، بل تلاحق الشبكات المالية التي استفادت، وتُجمد الحسابات، وتُصادر العقارات، وتفتح ملفات غسل الأموال والتهريب الضريبي والتواطؤ الإداري. أما حين يبقى الجزء الأكبر من الثروة خارج أي استرجاع فعلي، فإن المواطن يشعر بأن العقوبة مست الجسد لكنها لم تمس قلب الجريمة الحقيقي.

وفي المغرب، يزداد هذا الإحساس بسبب الفجوة الاجتماعية المتسعة. فالمواطن الذي يُطالب كل يوم بتحمل ارتفاع الأسعار والضرائب وتكاليف المعيشة، يرى في مثل هذه القضايا مرآة لسنوات طويلة من التفاوت الصادم في توزيع السلطة والثروة. ولذلك لا يقرأ الناس هذا الحكم باعتباره حدثًا قضائيًا معزولًا، بل باعتباره جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمصير المال العام داخل الدولة نفسها: من يحميه؟ ومن يراقبه؟ ولماذا لا تُكتشف بعض الاختلالات إلا بعد عقود من النفوذ؟

الأكثر حساسية في القضية أن الرجل لم يكن هامشيًا داخل النظام السياسي، بل كان جزءًا من نخبة تدبرت الشأن العام لسنوات. وهذا ما يجعل الملف محرجًا ليس فقط لشخص أو حزب، بل لفكرة الرقابة المؤسساتية كلها. لأن المواطن البسيط يتساءل اليوم: أين كانت كل آليات المراقبة عندما كانت الصفقات تمر؟ وكيف يمكن أن تستمر شبكات النفوذ كل هذه السنوات دون أن تتوقف عندها المؤسسات إلا بعد أن تتراكم الملفات والضغوط والشكايات؟

وربما هنا بالضبط تكمن خطورة هذه القضية. فهي لا تكشف فقط احتمال فساد مسؤول، بل تكشف هشاشة العلاقة بين المواطن والثقة العامة. إذ لا يكفي أن يرى الناس مسؤولًا خلف القضبان كي يشعروا بأن العدالة انتصرت. العدالة بالنسبة إلى مجتمع يعيش ضغط البطالة وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات، تعني أيضًا أن تعود الأموال، وأن تُفكك الشبكات، وأن يصبح المنصب العمومي فعلًا تكليفًا لا طريقًا سريًا نحو الثروة.

لهذا لن يتوقف النقاش الحقيقي عند “ثلاث عشرة سنة”. فالعقوبة مهما كانت قاسية تبقى رقمًا زمنيًا قابلًا للاستئناف أو التخفيض أو حتى التغيير مع السنوات. أما السؤال الذي سيبقى معلقًا داخل الوعي الجماعي المغربي فهو سؤال آخر أكثر قسوة: هل تستطيع الدولة أن تُعيد للمغاربة فقط أموالهم… أم أن ما ضاع أكبر من المال نفسه، وأن الثقة حين تُبدد لا تكفي كل المحاكم لاسترجاعها؟