في سياق نقاش إعلامي مفتوح بثّته قناة فرانس 24 / FRANCE 24 Arabic حول مستجدات المشهد الحزبي في المغرب، طُرح موضوع استكمال حزب العدالة والتنمية لقوائمه الانتخابية بشكل مبكر قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة. وقد فتح هذا النقاش الباب أمام قراءات متباينة، بين من يرى في الخطوة مؤشرًا على جاهزية تنظيمية واستعادة تدريجية للحضور السياسي، ومن يعتبرها جزءًا من إعادة تموضع داخل مشهد انتخابي يتسم بالتعقيد وتعدد موازين التنافس.
خرج حزب العدالة والتنمية بإعلان مبكر لقوائمه الانتخابية، قبل أشهر من موعد الاستحقاقات التشريعية. خطوة لم تمر مرورًا عابرًا، بل أثارت نقاشًا واسعًا حول دلالاتها التنظيمية والسياسية، وحول ما إذا كان الحزب بصدد إعلان “عودة محسوبة” أم مجرد محاولة لإثبات الوجود بعد سنوات من التراجع الانتخابي والسياسي.
اللافت في هذا الإعلان ليس فقط توقيته، بل أيضًا ما كشفه من إشارات داخلية وخارجية في آن واحد: حزب يحاول أن يظهر وكأنه أعاد ضبط إيقاعه التنظيمي، في مقابل قراءة أخرى ترى في الخطوة محاولة استباقية لكسر حالة الركود التي عرفها منذ خروجه من تدبير الحكومة، وتحوله إلى موقع المعارضة بأقل تمثيلية برلمانية في تاريخه الحديث.
من زاوية أولى، يقدم الحزب هذا التحرك باعتباره ثمرة لمسار تنظيمي داخلي طويل، يقوم على ترشيحات صاعدة من القواعد المحلية والجهوية، قبل أن تُحسم في دوائر التزكية المركزية. هذا المسار، وفق مقربين من الحزب، يعكس استمرار منطق “الديمقراطية الداخلية” التي طالما قدّمها الحزب كأحد عناصر تميزه داخل المشهد السياسي المغربي، حيث تُعرض الترشيحات وفق آلية مؤسساتية تبدأ من الفروع وتنتهي عند الهيئات المركزية.
لكن في المقابل، لا تخلو هذه الصورة من جدل. فبعض الأصوات السياسية والإعلامية تعتبر أن الحديث عن نموذج ديمقراطي داخلي مطلق يحتاج إلى تدقيق، مشيرة إلى أن عملية التزكية داخل الأحزاب، بما فيها العدالة والتنمية، تظل محكومة بتوازنات تنظيمية ومجالية، وباعتبارات سياسية تتجاوز أحيانًا منطق القواعد وحده.
في خلفية هذا النقاش، يطفو سؤال أكبر: ماذا يريد الحزب أن يقول من خلال هذه السرعة في إعلان لوائحه؟
يرى عدد من المحللين أن الحزب يحاول إرسال رسالة مركبة. رسالة أولى موجهة إلى الداخل التنظيمي، مفادها أن البنية ما زالت متماسكة وقادرة على الحسم المبكر في المرشحين دون الدخول في صراعات طويلة حول التزكيات، كما يحدث في أحزاب أخرى. ورسالة ثانية موجهة إلى الخارج، خاصة إلى الناخبين والرأي العام، مفادها أن الحزب ما زال فاعلًا سياسيًا حاضرًا في معادلة التنافس، وليس مجرد قوة في حالة تراجع صامت.
في هذا السياق، يبرز أيضًا بُعد رمزي لا يقل أهمية: حضور ما يُوصف بـ“الحرس القديم” في عدد من الدوائر الانتخابية. وهو توصيف يعكس عودة أسماء ارتبطت بمراحل سابقة من تجربة الحزب، سواء في زمن صعوده الانتخابي أو خلال سنوات تدبيره الحكومي. هذه العودة تطرح سؤالًا مركزيًا حول ما إذا كان الحزب يعيد الاستثمار في ذاكرته التنظيمية والسياسية، أم أنه يعاني من محدودية في تجديد النخب وتوسيع قاعدة القيادات الصاعدة.
بين هذا وذاك، تتباين القراءات حول دلالة هذا الخيار. فهناك من يرى فيه محاولة واعية لإعادة تثبيت الخبرة التنظيمية والسياسية داخل الحزب، خاصة في سياق انتخابي يتسم بالتعقيد والتنافسية العالية. بينما يذهب آخرون إلى أن الاعتماد على وجوه قديمة قد يعكس صعوبة في إنتاج نخب جديدة قادرة على تقديم خطاب مختلف أو تجديد العرض السياسي للحزب.
على مستوى آخر، لا يمكن فصل هذا النقاش عن السياق العام الذي يتحرك فيه المشهد السياسي المغربي. فالتجربة الحكومية الأخيرة، وما رافقها من جدل حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ما زالت تلقي بظلالها على تقييم الأداء الحزبي عمومًا، بما في ذلك العدالة والتنمية. وهو ما يجعل عودته إلى واجهة المنافسة الانتخابية محفوفة بسؤال الثقة: إلى أي حد ما زال الحزب قادرًا على استعادة موقعه داخل الناخبين الذين منحوه سابقًا صدارة المشهد؟
في المقابل، يدافع أنصار الحزب عن أطروحة مختلفة، تعتبر أن ما حدث خلال السنوات الأخيرة لم يكن تراجعًا بقدر ما كان “إعادة تموضع قسري” فرضته التحولات السياسية والاقتصادية، وأن الحزب استطاع رغم تقلص عدد مقاعده البرلمانية أن يظل حاضرًا في النقاش العمومي، سواء من خلال المعارضة أو عبر مواقفه في قضايا مختلفة.
هذا التباين في التقييم يعكس بدوره طبيعة المشهد السياسي المغربي نفسه، الذي لم يعد يُقاس فقط بعدد المقاعد، بل أيضًا بقدرة الفاعل السياسي على التأثير في النقاش العمومي، وعلى إعادة إنتاج حضوره داخل الفضاء الإعلامي والرقمي.
أما على مستوى الصورة الأوسع، فإن خطوة الإعلان المبكر عن اللوائح تعكس أيضًا تحوّلًا في منطق اشتغال الأحزاب، حيث لم يعد الانتظار إلى اللحظات الأخيرة قاعدة ثابتة، بل أصبح الاستباق جزءًا من استراتيجية تثبيت الوجود السياسي واحتلال المساحة الإعلامية قبل الخصوم.
لكن رغم هذا الحضور التنظيمي، يبقى السؤال الأعمق معلقًا في الخلفية: هل يكفي التنظيم الداخلي، أو إعادة تدوير النخب القديمة، أو حتى تحسين آليات الاختيار، لاستعادة موقع سياسي فقد الكثير من زخمه السابق؟ أم أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة صياغة أوسع للخطاب السياسي نفسه، بما يتجاوز منطق التموقع الانتخابي نحو إعادة بناء الثقة مع الناخبين؟
في النهاية، لا يبدو أن المشهد قد حُسم بعد. ما يجري اليوم ليس سوى بداية سباق انتخابي يتشكل ببطء، لكن مؤشراته الأولى تكشف أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول المقاعد، بل حول سردية كل حزب عن نفسه: من هو؟ ماذا يمثل؟ وإلى أي حد ما زال قادرًا على إقناع مجتمع يتغير بسرعة أكبر من أدوات السياسة التقليدية؟