في لحظة تبدو أقرب إلى تجربة اجتماعية ضخمة منها إلى مجرد نقاش حول الهجرة، يطرح سؤال يكاد يكون صادماً في بساطته: ماذا لو أنشأت إسبانيا منصة رقمية مفتوحة تتيح لكل مغربي يرغب في الحصول على الجنسية الإسبانية أن يسجل اسمه فقط، ليس من أجل منحه الجنسية فعلياً، بل من أجل قياس الرغبة الجماعية في الانتقال من ضفة إلى أخرى؟ كم سيكون العدد؟ مئات الآلاف؟ ملايين؟ أم أن الرقم قد يفوق كل التوقعات ويكشف حقيقة أعمق مما تظهره إحصائيات الهجرة والقوارب والحدود؟
قد يبدو السؤال افتراضياً، لكنه في جوهره يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في غرب المتوسط: العلاقة المعقدة بين الحلم الأوروبي والواقع المغاربي، وبين الجغرافيا التي تجعل المغرب أقرب دولة إفريقية إلى أوروبا، وبين الاقتصاد الذي يجعل المسافة النفسية بين الطرفين أكبر بكثير من مجرد 14 كيلومتراً تفصل طنجة عن السواحل الإسبانية.
الأرقام التي نشرتها السلطات الإسبانية مؤخراً أعادت فتح هذا النقاش من زاوية مختلفة. فخلال سنة 2025 وحدها حصل 42 ألفاً و114 مغربياً على الجنسية الإسبانية، وهو أعلى رقم بين جميع الجنسيات الأجنبية داخل إسبانيا، في وقت بلغ فيه العدد الإجمالي للمجنسين الجدد نحو 300 ألف شخص، في أكبر موجة تجنيس تشهدها البلاد منذ أكثر من عقد.
لكن خلف هذا الرقم يوجد سؤال آخر أكثر عمقاً: هل يتعلق الأمر فقط بمهاجرين أكملوا سنوات الإقامة القانونية المطلوبة؟ أم أننا أمام تحول تاريخي يجعل جزءاً متزايداً من المغاربة يعتبر إسبانيا امتداداً لمساره الحياتي والعائلي والمهني؟
عندما ننظر إلى المشهد من الأعلى، تبدو الصورة أكبر بكثير من ملف إداري خاص بالجنسية. فالجالية المغربية في إسبانيا لم تعد جالية عابرة جاءت للعمل ثم تعود. أجيال كاملة وُلدت هناك، درست هناك، تتحدث الإسبانية أو الكتالونية أحياناً بطلاقة تفوق العربية، وتعتبر مدريد أو برشلونة أو فالنسيا جزءاً من ذاكرتها الشخصية أكثر مما تعتبرها مدناً أجنبية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
إسبانيا التي كانت حتى ثمانينيات القرن الماضي بلداً مصدّراً للمهاجرين نحو أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية، أصبحت اليوم واحدة من أكبر الدول الأوروبية استقطاباً للهجرة. وفي المقابل، المغرب الذي كان يُنظر إليه سابقاً كبلد عبور، تحول إلى خزان بشري ضخم للهجرة النظامية وغير النظامية في آن واحد.
لهذا فإن فكرة إنشاء منصة افتراضية لقياس الراغبين في الجنسية الإسبانية ليست مجرد فضول إحصائي. إنها قد تتحول إلى مرآة اجتماعية تكشف حجم الفجوة بين ما يعيشه الناس وما تعلنه الدول.
فلو افترضنا نظرياً أن ملايين المغاربة سجلوا أسماءهم في مثل هذه المنصة، فإن النتيجة لن تعني بالضرورة أنهم يرفضون المغرب أو يرغبون في التخلي عن هويتهم الوطنية. بل قد تعني شيئاً أكثر تعقيداً: البحث عن فرص عمل أفضل، حماية اجتماعية أقوى، تعليم أكثر استقراراً، وإحساس أكبر بالأفق المستقبلي.
في عالم اليوم، لم تعد الجنسية بالنسبة لكثير من الناس مجرد انتماء عاطفي. أصبحت أيضاً أداة اقتصادية واجتماعية. جواز سفر يفتح أسواق العمل. حق في التنقل. ضمانات قانونية. منظومة صحية. وتأمين ضد تقلبات المستقبل.
لهذا السبب تحديداً، لا يمكن قراءة ارتفاع أعداد المجنسين المغاربة في إسبانيا فقط باعتباره نجاحاً لسياسات الإدماج الإسبانية. بل يمكن اعتباره أيضاً رسالة صامتة قادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.
رسالة تقول إن آلاف الشباب لم يعودوا يحلمون فقط بالوصول إلى أوروبا، بل أصبحوا يحلمون بالاستقرار النهائي داخلها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: لو كانت الجنسية الإسبانية متاحة نظرياً لكل من يطلبها، هل كانت الهجرة السرية ستختفي فعلاً؟
الجواب ليس بهذه البساطة.
لأن كثيراً من الذين يخاطرون بحياتهم في البحر لا يهربون فقط من غياب الوثائق، بل من غياب الفرص. الجنسية قد تمنح وضعاً قانونياً، لكنها لا تخلق وحدها وظائف ولا تحل تلقائياً أزمات التنمية أو الفوارق الاقتصادية بين الضفتين.
التجربة الأوروبية نفسها تقدم دليلاً على ذلك. فحتى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يملك المواطنون حرية التنقل الكاملة، تستمر الهجرات الداخلية من المناطق الأقل نمواً نحو المراكز الاقتصادية الكبرى. الإنسان يتحرك دائماً نحو المكان الذي يعتقد أن مستقبله سيكون أفضل فيه.
ومع ذلك، فإن مجرد تخيل منصة مفتوحة للراغبين في الجنسية الإسبانية يكشف حقيقة سياسية لا تحب كثير من الحكومات مواجهتها مباشرة: الهجرة ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة ثقة أيضاً.
حين يشعر الملايين أن مستقبلهم المحتمل يوجد خارج وطنهم أكثر مما يوجد داخله، تصبح القوارب مجرد عرض مرئي لمشكلة أعمق بكثير.
ولهذا فإن الأرقام الإسبانية الأخيرة لا تتحدث فقط عن 42 ألف مغربي حصلوا على الجنسية خلال سنة واحدة. إنها تتحدث عن تحول تاريخي في طبيعة العلاقة بين المغرب وإسبانيا. فالجالية المغربية لم تعد مجرد يد عاملة مهاجرة، بل أصبحت جزءاً من البنية الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية الإسبانية نفسها.
والأكثر إثارة أن هذا التحول يجري في لحظة تشهد فيها العلاقات بين الرباط ومدريد تقارباً سياسياً واقتصادياً غير مسبوق، ما يجعل الإنسان المغربي الموجود داخل إسبانيا ليس مجرد مهاجر، بل جسراً بشرياً واستراتيجياً بين دولتين أصبحت مصالحهما أكثر تشابكاً من أي وقت مضى.
في النهاية، قد لا تحتاج إسبانيا فعلاً إلى إنشاء تلك المنصة الافتراضية. فالأرقام الحالية تقوم بالمهمة نفسها بطريقة أخرى. كل ملف جنسية جديد هو استفتاء فردي صغير على فكرة الانتماء والفرصة والمستقبل.
لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق المتوسط ليس كم مغربياً سيطلب الجنسية الإسبانية لو فُتحت الأبواب على مصراعيها، بل سؤال أكثر إزعاعاً للدول والمجتمعات معاً:
ماذا يعني أن يصبح حلم المغادرة عند بعض الناس أقوى من حلم البقاء؟ وهل المشكلة في جاذبية الضفة الأخرى، أم في عجز الضفة الأولى عن إقناع أبنائها بأن المستقبل يمكن أن يُبنى فيها أيضاً؟