بعد الجفاف والفيضانات… هل أصبح الجراد المبرر الجديد لخمس سنوات أخرى من الانتظار؟

0
129

هل يعود الجراد إلى الرشيدية أم تعود الدولة إلى أعذارها القديمة؟

في الواحات المغربية، لا يخاف الناس من الجراد فقط لأنه حشرة تلتهم الزرع، بل لأن ظهوره غالباً ما يوقظ ذاكرة جماعية طويلة من الخوف والانتظار والترقب. الفلاح الذي ظل سنوات يرفع عينيه إلى السماء بحثاً عن سحابة مطر، لم يكن يتخيل أن يتحول المطر نفسه يوماً إلى مصدر قلق جديد. فبعد سنوات الجفاف القاسية التي استنزفت الفرشات المائية وأضعفت المراعي وأرهقت الفلاحين والرعاة، جاءت الأمطار الغزيرة خلال الموسمين الأخيرين لتبعث الحياة من جديد في السدود والوديان والواحات والحقول. عادت الخضرة إلى أماكن اعتادت الاصفرار، وعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية، وبدأت مناطق واسعة من الجنوب الشرقي تستعيد شيئاً من توازنها البيئي الذي فقدته لسنوات.

لكن التاريخ يعلمنا أن الطبيعة لا تمنح هدايا مجانية. فالمناخ الذي أنعش الأرض هو نفسه الذي يخلق الظروف المثالية لتكاثر الجراد وانتشاره. ولذلك فإن ظهور أسراب الجراد في الرشيدية والريصاني ومرزوكة ليس حدثاً استثنائياً في حد ذاته، بل ظاهرة طبيعية معروفة في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية. الجراد لا يحمل جواز سفر ولا يعترف بالحدود السياسية، ينتقل بين دول الساحل والصحراء وشمال إفريقيا تبعاً للرياح والرطوبة والغطاء النباتي. وقد شهدت المنطقة عبر التاريخ موجات مماثلة كانت ترتبط دائماً بتغيرات مناخية معينة توفر بيئة مناسبة للتكاثر.




غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالجراد نفسه، بل بطريقة استقبال المجتمع والدولة لهذا الحدث. فالخوف الذي يظهر في شهادات الفلاحين والمهنيين لا يعكس فقط القلق من خسارة المحاصيل الزراعية، بل يكشف أيضاً عن هشاشة اقتصادية واجتماعية تجعل أي تهديد بيئي يبدو وكأنه كارثة وطنية محتملة. عندما يعتمد آلاف السكان على النخيل والزراعة والرعي والسياحة البيئية كمصدر رئيسي للدخل، فإن ظهور أسراب الجراد يتحول فوراً من ظاهرة بيولوجية إلى قضية اقتصادية واجتماعية تمس الأمن الغذائي والاستقرار المحلي.

في الرشيدية وواحات تافيلالت لا يتعلق الأمر بمجرد أشجار أو مزروعات موسمية. الواحة هنا ليست مساحة خضراء فقط، بل نظام حياة كامل. النخلة ليست مجرد شجرة؛ إنها اقتصاد محلي، وهوية ثقافية، وحاجز بيئي ضد التصحر، وضمانة لاستمرار الاستقرار البشري في مناطق قاسية مناخياً. ولذلك فإن أي تهديد للواحات يُنظر إليه باعتباره تهديداً لمجتمع بأكمله وليس لمحصول زراعي فقط.

لكن خلف هذه المخاوف المشروعة يبرز نقاش آخر أكثر عمقاً. فالمغرب عاش خلال السنوات الأخيرة خطاباً رسمياً مكثفاً حول آثار الجفاف والتغيرات المناخية. وكان الجفاف حاضراً تقريباً في كل النقاشات المتعلقة بالإنتاج الفلاحي وأسعار المواد الغذائية وتراجع بعض المؤشرات الاقتصادية. وكان كثير من المواطنين يعتبرون أن الطبيعة أصبحت المتهم الأول في كل الاختلالات تقريباً.

اليوم تبدو الصورة مختلفة. الأمطار عادت بقوة. السدود استعادت جزءاً مهماً من مخزونها. الفرشات المائية انتعشت. المراعي استعادت عافيتها. غير أن ظهور الجراد يطرح سؤالاً سياسياً واجتماعياً حساساً: هل نحن أمام تحدٍ بيئي عادي ستتم معالجته علمياً ومؤسساتياً، أم أمام بداية تشكل خطاب جديد قد يتحول مستقبلاً إلى مبرر إضافي لتعثر بعض السياسات العمومية؟

هذا السؤال لا ينطلق من التشكيك في خطورة الجراد أو في ضرورة مكافحته، بل من تجربة طويلة للمواطن مع الإدارة والسياسة. فالمغاربة اعتادوا أن يروا كيف تتحول بعض الأزمات الطبيعية أحياناً إلى تفسيرات جاهزة تبتلع النقاش الحقيقي حول المسؤوليات البشرية والمؤسساتية. فعندما يكون هناك جفاف يُحمَّل الجفاف المسؤولية. وعندما تأتي الفيضانات تُحمَّل الأمطار المسؤولية. وعندما يظهر الجراد قد يجد البعض فيه تفسيراً جديداً لأي تراجع محتمل في الإنتاج أو التنمية.

ومن هنا يصبح النقاش أعمق من مجرد حشرة تحلق فوق الواحات. إنه نقاش حول قدرة الدولة على الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء السياسات الاستباقية. فالفرق بين الدولة القوية والدولة التي تعيش ردود الأفعال لا يقاس بعدد البلاغات الصادرة، بل بمدى جاهزيتها قبل وقوع الأزمة. الجراد معروف علمياً، ومساراته معروفة نسبياً، وآليات رصده ومكافحته موجودة في العديد من الدول. ولذلك فإن نجاح التدخل لن يقاس بحجم الخطر فقط، بل بسرعة الاستجابة ودقتها وشفافيتها.

الأمر لا يتوقف عند القطاع الفلاحي وحده. فمرزوكة مثلاً أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم الوجهات السياحية الصحراوية بالمغرب. والصورة التي تُسوَّق للعالم ليست فقط صورة كثبان رملية، بل صورة واحات خضراء وتوازن بيئي فريد. وأي تضرر واسع للغطاء النباتي ستكون له انعكاسات تتجاوز الفلاح إلى المرشد السياحي وصاحب الفندق وسائق النقل والعامل البسيط الذي يعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من النشاط السياحي.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الجراد يظهر اليوم في لحظة سياسية مختلفة. فالمغرب يقترب تدريجياً من استحقاقات انتخابية جديدة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة. ومع اقتراب أي موعد انتخابي كبير، تبدأ عملية تقييم الحصيلة الحقيقية للسنوات السابقة. وهنا يصبح المواطن أكثر حساسية تجاه أي خطاب يربط النتائج دائماً بعوامل خارجية: مرة بالجفاف، ومرة بالأزمات الدولية، ومرة بالتقلبات المناخية، ومرة بالجراد.

لهذا فإن الرهان الحقيقي ليس القضاء على الجراد فقط، بل إقناع المواطن بأن المؤسسات قادرة على إدارة الأزمات دون تحويلها إلى شماعات سياسية جديدة. فالديمقراطية الحديثة لا تقوم على إنكار المخاطر الطبيعية، وإنما على الفصل الواضح بين ما هو مسؤولية الطبيعة وما هو مسؤولية الإدارة والسياسات العمومية.

وفي النهاية، قد يكون الجراد مجرد عابر موسمي في سماء الرشيدية، وقد تنجح فرق المكافحة في احتوائه خلال أسابيع قليلة. لكن القضية التي يثيرها أعمق بكثير من أسراب تحلق فوق الواحات. إنها تتعلق بعلاقة المواطن بالدولة، وبسؤال يتكرر كلما ظهرت أزمة جديدة: هل أصبحت المؤسسات قادرة فعلاً على صناعة الحلول قبل وقوع المشكلات، أم أننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها التي تجعل كل أزمة طبيعية مرشحة للتحول إلى تفسير جاهز لخمس سنوات أخرى من الانتظار؟

فربما لا يخشى سكان الواحات الجراد بقدر ما يخشون عودة ذلك الشعور القديم: أن تتغير أسماء الأزمات، بينما يبقى منطق التعامل معها هو نفسه الذي يجعل ريما تعود دائماً إلى عادتها القديمة.