المغرب بين تصدر المؤشرات الدولية واحتقان الواقع المعيشي: أي معنى للريادة إذا لم تصل إلى المواطن؟

0
112

في كل مرة يصدر فيها تقرير دولي جديد يشيد بالمغرب، يشعر المغاربة بشيء من الفخر. فبلدهم يتصدر مؤشرات معينة في إفريقيا، ويُقدَّم كنموذج في مجالات متعددة، من الطاقات المتجددة إلى الفوسفاط، ومن صناعة السيارات إلى الصادرات الفلاحية، ومن البنيات التحتية إلى الرقمنة والإحصاء. واليوم يأتي تقرير جديد صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ليضع المغرب مرة أخرى في مقدمة الدول الإفريقية الأكثر جاهزية لقياس أثر الاستثمار، بفضل جودة معطياته الإحصائية وقدرته على إنتاج البيانات الاقتصادية وفق المعايير الدولية.

في الظاهر يبدو الخبر إيجابيا بالكامل. فأن تُصنَّف المملكة كمرجع إفريقي في جودة البيانات الاقتصادية، وأن تصبح من الدول القليلة القادرة على الاندماج الكامل في قواعد البيانات الدولية المعتمدة من الاقتصادات الكبرى، فهذا يعني أن المؤسسات المغربية راكمت خبرة تقنية مهمة، وأن الإدارة الإحصائية المغربية استطاعت الوصول إلى مستويات من التنظيم لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لعدد كبير من الدول الإفريقية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه خارج لغة التقارير والخبراء والمؤشرات الرقمية هو سؤال آخر أكثر بساطة وأكثر قسوة في الوقت نفسه: ماذا يعني هذا الإنجاز بالنسبة للمواطن المغربي الذي يواجه يوميا ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الولوج إلى السكن والعمل والخدمات الأساسية؟

هنا يبدأ التناقض الذي يعيشه المغرب منذ سنوات.

فالمملكة أصبحت بالفعل قوة اقتصادية إقليمية في عدد من المجالات. فهي من أكبر مصدري السيارات نحو أوروبا، ومن أكبر المنتجين للفوسفاط ومشتقاته في العالم، وتمتلك موقعا استراتيجيا يجعلها منصة لوجستية بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا. كما نجحت في جذب استثمارات ضخمة في قطاعات السيارات والطيران والطاقة والصناعات الغذائية. وتُقدَّم باستمرار كنموذج للاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي في منطقة تعرف اضطرابات سياسية وأمنية متواصلة.

غير أن المواطن العادي لا يقيس نجاح الدول بنفس الأدوات التي تقيسها بها المؤسسات الدولية.

المواطن لا يسأل عن عدد جداول المدخلات والمخرجات الدولية التي يتوفر عليها الاقتصاد الوطني، ولا عن جودة الحسابات الوطنية وفق نظام 2008 SNA، ولا عن موقع المغرب في قاعدة بيانات التجارة في القيمة المضافة. المواطن يقيس نجاح الدولة بما يبقى في جيبه نهاية الشهر، وبقدرته على توفير تعليم جيد لأبنائه، وعلاج محترم لأسرته، وسكن لائق، وفرصة عمل مستقرة.

ولهذا تظهر المفارقة المغربية بكل وضوح.

فكلما ارتفعت أرقام الإنجازات الكبرى، ازداد حضور الأسئلة الاجتماعية الكبرى.

كيف يمكن لبلد يتصدر إفريقيا في تصدير السيارات أن يظل آلاف الشباب فيه يبحثون عن فرصة عمل مستقرة؟

كيف يمكن لدولة تمتلك أكبر احتياطي عالمي من الفوسفاط أن يستمر فيها الجدل حول الفقر والهشاشة وضعف الدخل؟

كيف يمكن لاقتصاد يحقق أرقاما قياسية في الاستثمارات والصادرات أن يجد نفسه في مواجهة موجات متتالية من الغلاء تمس المواد الأساسية؟

هذه الأسئلة لا تعني أن الإنجازات الاقتصادية غير حقيقية، بل تعني أن هناك فرقا بين إنتاج الثروة وتوزيع الثروة.

في العلوم الاقتصادية يوجد فرق جوهري بين نمو الناتج الداخلي الخام وبين انعكاس هذا النمو على مستوى عيش السكان. قد تحقق الدولة نموا مرتفعا، وقد تجذب استثمارات ضخمة، وقد تتوسع صادراتها بشكل غير مسبوق، لكن إذا كانت القيمة المضافة مركزة في قطاعات محدودة أو لدى فئات محدودة، فإن أثرها الاجتماعي يظل ضعيفا.

وهنا تكمن العقدة الأساسية في النموذج التنموي المغربي.

فالمغرب نجح خلال العقود الأخيرة في بناء اقتصاد قادر على المنافسة الدولية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا النجاح إلى شعور جماعي بالازدهار لدى غالبية المواطنين.

ولعل الأرقام نفسها تكشف هذه المفارقة.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، ما تزال نسب مهمة من المغاربة تشتغل في القطاع غير المهيكل. وفي الوقت الذي تتوسع فيه المدن الكبرى بمشاريع ضخمة، ما تزال مناطق جبلية وقروية عديدة تعاني من ضعف الخدمات الأساسية. وفي الوقت الذي تُشيد فيه الملاعب العملاقة والطرق السيارة والموانئ الكبرى، يطرح كثير من المواطنين سؤال الأولويات: هل الأولوية اليوم للمشاريع العملاقة أم لتحسين المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والدخل الفردي؟

هذا السؤال ليس مغربيا فقط.

لقد واجهته دول عديدة عبر التاريخ.

فالصين نفسها لم تكتف بالنمو الاقتصادي، بل انتقلت لاحقا إلى سياسات تستهدف الطبقة الوسطى وتقليص الفوارق. وكوريا الجنوبية لم تبن قوتها الاقتصادية فقط على الصناعة، بل على التعليم والصحة ورفع مستوى عيش المواطنين. وحتى الدول الأوروبية التي تُعتبر نماذج للنجاح الاقتصادي لا تُقاس قوتها فقط بحجم صادراتها، بل أيضا بمستوى الخدمات الاجتماعية التي توفرها لمواطنيها.

ومن هنا فإن أهمية تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لا تكمن فقط في كونه يشيد بجودة البيانات المغربية، بل في أنه يوفر للدولة أدوات أكثر دقة لقياس أثر الاستثمار على المجتمع نفسه.

فالغاية النهائية من البيانات ليست إنتاج تقارير جميلة ولا الحصول على شهادات دولية، بل معرفة من يستفيد فعليا من النمو الاقتصادي، ومن لا يزال خارج دائرة الاستفادة.

هل تصل الاستثمارات إلى المناطق الفقيرة؟

هل تخلق فرص عمل مستقرة؟

هل ترفع الأجور؟

هل تقلص الفوارق الاجتماعية؟

هل تحسن جودة الحياة؟

هذه هي الأسئلة التي تجعل من البيانات أداة للتنمية وليس مجرد أداة للإحصاء.

وربما هنا يكمن التحدي الحقيقي للمغرب خلال السنوات المقبلة. فالمشكل لم يعد في القدرة على جذب الاستثمار، ولا في بناء البنيات التحتية، ولا في تحسين المؤشرات التقنية. المغرب أثبت قدرته على ذلك. التحدي الأكبر أصبح هو كيفية تحويل هذه النجاحات إلى شعور يومي لدى المواطن بأن حياته تتحسن فعلا.

فالإنسان البسيط لا يعيش داخل التقارير الدولية. يعيش داخل فاتورة الماء والكهرباء، وثمن الخبز، وكلفة العلاج، وإيجار السكن، وفرصة الشغل.

وعندما يشعر المواطن أن حياته تتحسن، يصبح كل إنجاز اقتصادي إنجازا وطنيا مشتركا. أما عندما تبقى الأرقام الكبيرة منفصلة عن الواقع اليومي، فإن الفجوة النفسية بين الدولة والمجتمع تتسع مهما كانت المؤشرات الدولية إيجابية.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: لماذا يتصدر المغرب إفريقيا في جاهزية البيانات الاقتصادية؟

السؤال الأعمق هو: متى يشعر المواطن المغربي العادي أن هذا التصدر، وهذه الاستثمارات، وهذه الصادرات، وهذه المشاريع الكبرى، أصبحت جزءا من حياته هو أيضا، وليست مجرد أرقام تتصدر العناوين والتقارير الدولية؟