بن زايد في الرباط.. حين تتحول الزيارة الخاصة إلى رسالة جيوسياسية تتجاوز البروتوكول

0
111

في عالم السياسة، ليست كل الزيارات مجرد تنقلات بين العواصم، كما أن بعض اللقاءات التي توصف بأنها “خاصة” قد تحمل في طياتها رسائل أعمق من تلك التي تصدر في البيانات الرسمية. فحين حط الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رحاله في المغرب والتقى الملك محمد السادس، بدا المشهد في ظاهره امتداداً طبيعياً لعلاقة تاريخية تجمع الرباط وأبوظبي منذ عقود. غير أن التوقيت الإقليمي المضطرب، والبيئة الدولية المتحولة، جعلا من هذه الزيارة حدثاً مفتوحاً على تأويلات تتجاوز المجاملات الدبلوماسية التقليدية.

فالمنطقة الممتدة من الخليج إلى الساحل الإفريقي تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات. التوترات المرتبطة بإيران، وتصاعد سباق النفوذ في إفريقيا، والتنافس الدولي على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، والأزمات الأمنية في منطقة الساحل، كلها عوامل تجعل أي لقاء بين حليفين استراتيجيين حدثاً قابلاً للقراءة من زوايا متعددة.

المغرب والإمارات ليسا مجرد بلدين تجمعهما علاقات دبلوماسية عادية. فالعلاقة بينهما تشكلت عبر تراكم طويل من التفاهمات السياسية والتقاطعات الاستراتيجية، سواء في القضايا العربية أو في ملفات الأمن الإقليمي والاستثمارات والتنمية. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت العلاقة قوية أم لا، بل ما إذا كانت هذه العلاقة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز منطق الصداقة التقليدية إلى منطق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

خلال السنوات الأخيرة، تغير موقع المغرب داخل المعادلات الإقليمية والدولية. فالمملكة لم تعد فقط دولة مغاربية تدير نزاع الصحراء وتبحث عن توازناتها التقليدية، بل أصبحت لاعباً يحظى باهتمام متزايد من القوى الكبرى بسبب استقراره السياسي وموقعه الجغرافي وقدرته على بناء شبكات نفوذ ناعمة في إفريقيا. وفي المقابل، لم تعد الإمارات مجرد قوة مالية خليجية، بل تحولت إلى فاعل إقليمي يمتلك حضوراً اقتصادياً وأمنياً واستثمارياً يمتد من البحر الأحمر إلى شرق إفريقيا والبحر المتوسط.

هذا التحول المتوازي في موقع البلدين يفسر جانباً مهماً من طبيعة التقارب القائم بينهما. فالإمارات تبحث عن شركاء قادرين على توفير الاستقرار والامتداد الجغرافي في بيئات إقليمية معقدة، بينما يسعى المغرب إلى تعزيز شبكة تحالفاته مع قوى عربية تتقاسم معه رؤية متقاربة تجاه العديد من الملفات الاستراتيجية.

ومن هنا يبرز مفهوم “العمق الاستراتيجي” الذي تكرر كثيراً في النقاشات المرافقة للزيارة. فالمقصود بالعمق الاستراتيجي لا يتعلق فقط بالدفاع العسكري أو التنسيق الأمني، بل يشمل أيضاً القدرة على توفير فضاء سياسي واقتصادي يسمح للدول بمواجهة التحولات الكبرى وتقليل المخاطر المحيطة بها.

في هذا السياق، يبدو المغرب بالنسبة للإمارات أكثر من مجرد شريك سياسي. إنه بوابة مستقرة نحو إفريقيا، ونقطة ارتكاز جغرافية بعيدة نسبياً عن بؤر التوتر المباشر في الخليج. كما أنه يمتلك شبكة علاقات واسعة داخل القارة الإفريقية، راكمها عبر عقود من الحضور الديني والاقتصادي والدبلوماسي. أما الإمارات فتمثل بالنسبة للمغرب شريكاً استثمارياً أساسياً وقوة مالية قادرة على دعم مشاريع استراتيجية كبرى ترتبط بالبنية التحتية والطاقة واللوجستيك والتنمية.

لكن أي قراءة لهذا التقارب لا يمكن أن تتجاهل انعكاساته على البيئة الإقليمية المحيطة. فالجزائر، التي تعيش علاقات متوترة مع المغرب منذ سنوات، تراقب أي تطور في شبكة التحالفات المغربية من زاوية تأثيره على موازين القوى في المنطقة. كما أن تنامي العلاقات الأمنية بين الرباط وعدد من الشركاء الدوليين يضيف عناصر جديدة إلى حسابات الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا.

غير أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في ردود فعل الجوار، بل في التحول الأوسع الذي تعرفه المنطقة بأكملها. فالعالم العربي يشهد اليوم انتقالاً تدريجياً من مرحلة التحالفات الأيديولوجية إلى مرحلة التحالفات البراغماتية. لم تعد الدول تبني شراكاتها على الشعارات الكبرى بقدر ما تبنيها على المصالح الأمنية والاقتصادية والقدرة على مواجهة المخاطر المشتركة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الزيارة باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تموضع أوسع تشهدها المنطقة. فالدول التي تشعر بأن النظام الإقليمي القديم لم يعد قادراً على حماية مصالحها بدأت تبحث عن صيغ جديدة للتعاون، سواء في مجالات الأمن أو الاقتصاد أو التكنولوجيا أو إدارة الأزمات.

كما أن القارة الإفريقية أصبحت عنصراً مركزياً في هذه المعادلة. فالتنافس الدولي المتزايد على موارد إفريقيا وأسواقها وممراتها الاستراتيجية جعل من الدول القادرة على لعب دور الوسيط أو الشريك الموثوق داخل القارة أصولاً جيوسياسية ثمينة. وهنا يبرز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الإقليميين الذين استطاعوا خلال العقدين الأخيرين بناء حضور مؤثر في إفريقيا، وهو ما يمنح أي شراكة معه بعداً يتجاوز حدوده الوطنية.

وربما لهذا السبب تحديداً لا تبدو زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى المغرب حدثاً بروتوكولياً عادياً. فاللقاءات بين القادة غالباً ما تعكس ما يجري خلف الكواليس أكثر مما تعكسه البيانات الرسمية. وما يظهر للرأي العام على شكل زيارة خاصة قد يكون في الواقع محطة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم خرائط المصالح والتحالفات في منطقة تتغير بسرعة غير مسبوقة.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه الزيارة في الصور الرسمية أو في العبارات الدبلوماسية المعتادة، بل في ما تكشفه عن طبيعة المرحلة التي دخلتها المنطقة. فالدول لم تعد تنتظر الأزمات حتى تبحث عن حلفائها، بل أصبحت تبني شبكاتها الاستراتيجية قبل انفجار الأزمات. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المغرب يشكل عمقاً استراتيجياً للإمارات أو العكس، بل ما إذا كانت المنطقة بأسرها تتجه نحو ولادة هندسة جديدة للتحالفات ستعيد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ والأمن خلال السنوات المقبلة.

ذلك هو السؤال الذي يجعل من زيارة تبدو عادية في ظاهرها حدثاً يستحق كل هذا الاهتمام.