في الصباح الباكر، حين يخرج آلاف الأطفال المغاربة من بيوتهم نحو المدرسة، يبدو المشهد عادياً إلى حدّ التكرار. حقائب على الظهور، ووجوه نصف نائمة، وآباء وأمهات يودّعون أبناءهم على عجل قبل الانطلاق إلى أعمالهم. لكن خلف هذا المشهد اليومي البسيط، تدور واحدة من أكبر المعارك التي تخوضها الدولة المغربية: معركة إنقاذ المدرسة العمومية من إرث عقود من الاختلالات، وتحويل التعليم من عبء مزمن على السياسات العمومية إلى رافعة حقيقية للتنمية. إنها معركة لا تُقاس فقط بعدد المدارس التي تُبنى أو الأموال التي تُرصد، بل بعدد الأطفال الذين يواصلون الدراسة بدل الانقطاع عنها، وبعدد التلاميذ الذين يكتسبون فعلاً مهارات التعلم بدل الاكتفاء بالحضور داخل الفصول.
في هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أمام مجلس النواب لتؤكد أن ورش إصلاح التعليم بدأ يعطي، بحسب المعطيات الحكومية، نتائج ملموسة سواء على مستوى جودة التعلمات أو في ما يتعلق بتقليص ظاهرة الهدر المدرسي. وأوضح أن الدولة رفعت ميزانية قطاع التربية والتكوين إلى 99 مليار درهم، بزيادة تجاوزت 68 في المائة مقارنة بسنة 2021، في إشارة إلى أن التعليم لم يعد مجرد قطاع اجتماعي ضمن قطاعات أخرى، بل أصبح أحد الرهانات الاستراتيجية للدولة المغربية في بناء الرأسمال البشري.
غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في الأسئلة التي تطرحها حول طبيعة التحول الجاري داخل المدرسة المغربية. فالمغرب لم يكن يعاني أساساً من غياب التشخيص. على مدى سنوات طويلة، توالت التقارير الوطنية والدولية التي تحدثت عن ضعف المكتسبات التعليمية، وارتفاع نسب الانقطاع عن الدراسة، وتراجع جاذبية المدرسة العمومية، واتساع الفوارق بين المجالين الحضري والقروي. لذلك فإن التحدي الحقيقي لم يكن معرفة المشكل، بل القدرة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ.
ومن هنا يبرز مشروع “مؤسسات الريادة” باعتباره إحدى الركائز الأساسية لخارطة الطريق التعليمية 2022-2026. فالحكومة تعتبر أن هذا النموذج لا يقتصر على تغيير طرق التدريس، بل يمثل محاولة لإعادة بناء المؤسسة التعليمية حول منطق جديد يقوم على تتبع التعلمات بشكل دقيق، وتقديم الدعم الفردي للتلاميذ، وتأهيل الأطر التربوية، وإدماج الوسائل الرقمية، وربط المدرسة بشكل أكبر بالأسر.
وتشير الأرقام التي قدمها رئيس الحكومة إلى أن التلاميذ المستفيدين من هذا البرنامج يحققون نتائج أفضل عند الانتقال إلى التعليم الإعدادي، مع تحسن ملحوظ في التحكم بالكفايات الأساسية وارتفاع نسب الإجابات الصحيحة مقارنة بالمؤسسات التقليدية. كما تم توسيع المشروع من 626 مؤسسة ابتدائية فقط خلال الموسم الدراسي 2023-2024 إلى أكثر من 4600 مؤسسة خلال الموسم الحالي، ليستفيد منه نحو مليوني تلميذ وتلميذة، بينما استفاد عشرات الآلاف من الأساتذة والمفتشين من برامج التكوين والمواكبة.
لكن رغم هذا الخطاب التفاؤلي، فإن الواقع التعليمي المغربي يكشف أن الطريق لا تزال طويلة. فالتقارير الدولية والوطنية تواصل إطلاق إشارات الإنذار بشأن ظاهرة الهدر المدرسي، التي لا تُعتبر مجرد مشكلة تربوية، بل قضية اجتماعية واقتصادية وأمنية وتنموية في آن واحد.
فحين يغادر طفل المدرسة مبكراً، لا يفقد فقط فرصة التعلم، بل يدخل غالباً في دائرة الهشاشة الاجتماعية. وكل سنة يقضيها الطفل خارج المدرسة تزيد من احتمالات البطالة والعمل غير المهيكل والفقر والإقصاء الاجتماعي. لذلك لم يعد الهدر المدرسي مجرد رقم في تقارير وزارة التربية الوطنية، بل أصبح مؤشراً على قدرة الدولة والمجتمع معاً على حماية مستقبل الأجيال الصاعدة.
وفي هذا الإطار، كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية أن نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة خلال سنة واحدة فقط. وهو رقم يكتسب دلالات مقلقة عندما يُنظر إليه من زاوية تراكمية؛ إذ يعني أن مئات الآلاف من الأطفال يجدون أنفسهم سنوياً خارج المنظومة التعليمية، في وقت أصبح فيه التعليم أحد أهم شروط الاندماج في الاقتصاد الحديث.
الأكثر إثارة للانتباه أن التقرير لا يربط الظاهرة بالفقر وحده، بل يشير إلى شبكة معقدة من الأسباب المتداخلة. فهناك ضغوط اقتصادية تدفع بعض الأسر إلى تفضيل العمل على الدراسة، وهناك عوامل ثقافية واجتماعية ما تزال تؤثر في تمدرس الفتيات خصوصاً في بعض المناطق القروية والهامشية، وهناك أيضاً عوامل مرتبطة بجودة المدرسة نفسها، من حيث البنيات والتجهيزات والمناخ التربوي والشعور بالانتماء للمؤسسة التعليمية.
وتظهر الفتيات ضمن الفئات الأكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة، خصوصاً في المناطق القروية، حيث تتقاطع تحديات الفقر والنقل المدرسي والبنيات التحتية والتمثلات الاجتماعية. وهنا تتحول قضية التعليم من مجرد ملف إداري إلى قضية عدالة اجتماعية ومجالية وجندرية، لأن فقدان الفتاة لحقها في التمدرس لا يؤثر فقط على مستقبلها الفردي، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع والتنمية المحلية.
ومن المفارقات التي تكشفها المؤشرات الحديثة أن بعض الأكاديميات الجهوية ما تزال تسجل أرقاماً مقلقة في نسب عدم التسجيل والانقطاع، رغم الجهود الحكومية المتواصلة. وهذا ما يوضح أن الإصلاح التربوي لا يتحقق بالسرعة نفسها في جميع المناطق، وأن الفوارق المجالية لا تزال تشكل أحد أكبر التحديات أمام تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص.
لهذا السبب أطلقت وزارة التربية الوطنية سلسلة من البرامج الموازية، من بينها توسيع مدارس الفرصة الثانية، وإحداث خلايا للتتبع النفسي والتربوي، والاستفادة من المعطيات الرقمية لمنظومة “مسار” لرصد التلاميذ المهددين بالانقطاع قبل مغادرتهم المدرسة فعلياً. كما جرى إطلاق مبادرات للتعبئة المجتمعية تستهدف الأطفال غير المتمدرسين والمنقطعين عن الدراسة من أجل إعادتهم إلى الفصول الدراسية أو إدماجهم في مسارات تكوين بديلة.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدد البرامج أو حجم الميزانيات، بل بقدرة هذه التدخلات على معالجة الجذور العميقة للمشكل. فالهدر المدرسي غالباً ما يكون النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الإخفاقات تبدأ بالفقر والهشاشة الاجتماعية، وتمر عبر ضعف التعلمات، وتنتهي بفقدان التلميذ الثقة في جدوى الاستمرار داخل المدرسة.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الفاعلين التربويين والنقابيين أن الأرقام المعلنة حول الانقطاع المدرسي تعكس اختلالات بنيوية تحتاج إلى معالجة أكثر عمقاً. فالمسألة لا ترتبط فقط بتوفير مقعد داخل الفصل الدراسي، بل بخلق مدرسة جاذبة قادرة على منح التلميذ شعوراً حقيقياً بالأمل في المستقبل، وربط التعلم بالفرص الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المتعلم بعد سنوات الدراسة.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، يصبح نجاح إصلاح التعليم شرطاً حاسماً لنجاح النموذج التنموي المغربي برمته. فالدول التي استطاعت تحقيق قفزات تنموية كبرى لم تفعل ذلك عبر المشاريع الكبرى وحدها، بل عبر الاستثمار المكثف في الإنسان. وكل درهم يُنفق اليوم على تحسين جودة التعليم قد يتحول مستقبلاً إلى إنتاجية أعلى، وابتكار أكبر، وفرص شغل أكثر، ومجتمع أقل هشاشة وأكثر استقراراً.
وربما تكمن أهمية اللحظة الحالية في أن المغرب يعيش اليوم مرحلة اختبار حقيقية بين خطاب الإصلاح ونتائجه الميدانية. فالحكومة تقدم أرقاماً تتحدث عن تحسن التعلمات وتراجع نسب الانقطاع، بينما تواصل التقارير الوطنية والدولية التنبيه إلى استمرار تحديات بنيوية عميقة. وبين المؤشرين معاً تتشكل الصورة الحقيقية للمدرسة المغربية: إصلاح يتحرك بالفعل، لكنه ما يزال يصطدم بتراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت نسب الهدر المدرسي قد انخفضت هذا العام أو ارتفعت العام الماضي. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت المدرسة المغربية قادرة على استعادة وظيفتها الأصلية باعتبارها المصعد الاجتماعي الأكبر في المجتمع. فحين يفقد المواطن ثقته في أن التعليم يفتح أبواب المستقبل، تصبح كل الإصلاحات مجرد إجراءات تقنية. أما حين تستعيد المدرسة قدرتها على صناعة الأمل، فإنها لا تنقذ التلاميذ فقط، بل تعيد رسم مستقبل أمة بأكملها.