“المكي أبو الشمائل… رحيل المعلم الذي علّمنا كيف ننظر إلى ما وراء الخبر”

0
140

المكي أبو الشمائل… حين يرحل المعلم ويبقى الأثر

هناك رجال لا تُقاس قيمتهم بعدد الكتب التي ألّفوها، ولا بالمناصب التي تقلدوها، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في العقول والقلوب. ومن هؤلاء كان أستاذي وصديقي العزيز، الكاتب والشاعر المكي أبو الشمائل، الذي انتقل إلى رحمة الله مساء يوم الإثنين بعد معاناة مع المرض، تاركًا وراءه سيرة رجل عاش للمعرفة والكلمة والتربية.

وبالنسبة إلى جمال السوسي، الكاتب والصحفي، فإن رحيل المكي أبو الشمائل لا يعني فقط فقدان قامة أدبية وفكرية، بل فقدان أستاذ ومعلم كان له الدور الأكبر في تشكيل مساره الفكري والمهني والإنساني. فقد تتلمذ جمال السوسي على يديه لأكثر من خمسة عشر عامًا، نهل خلالها من علمه وخبرته، وتعلّم منه كيف تكون المعرفة مشروعًا للحياة، لا مجرد رصيد من المعلومات.

كان الراحل من الذين يؤمنون بأن المعرفة ليست حفظًا للمعطيات بقدر ما هي قدرة على فهم العلاقات بين الأحداث والأفكار والناس. وعلى يديه تعلّم جمال السوسي أسس الإدارة، وأسرار علم التوليف، وتشجّع على خوض غمار ما كان الأستاذ الراحل يسميه «صحافة النظر والتحليل المعمق»، وهي المدرسة التي لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى قراءة خلفياتها وتفكيك سياقاتها واستشراف دلالاتها.

ومن خلال ملازمته لأستاذه، أدرك جمال السوسي أن الصحفي الحقيقي ليس من ينقل الخبر فقط، بل من يبحث عن المعنى الكامن وراءه، ويقرأ ما بين السطور، ويطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون. وهي الفلسفة التي لا تزال إلى اليوم تؤطر جزءًا كبيرًا من منهجه في الكتابة والتحليل.

كما كان المكي أبو الشمائل صاحب لسان عربي مبين، قلّ أن يجود الزمان بمثله. جمع في حديثه وكتاباته بين الفصاحة والعمق، وبين الحكمة والبساطة. لم يكن يعلّم بالكلمات وحدها، بل كان يعلّم بالسلوك والأخلاق والتواضع واحترام الآخر، فكان مدرسة قائمة بذاتها في الفكر والتربية.

ويقول جمال السوسي: «لولا أن الله قدّر لي أن ألتقي بالمكي أبو الشمائل، لما أصبحت على الأرجح الصحفي والكاتب والمحلل الذي أنا عليه اليوم». وهي شهادة تختزل حجم التأثير الذي تركه الراحل في حياة تلميذه، وفي حياة كثيرين ممن تتلمذوا على يديه أو تأثروا بفكره وأسلوبه.

وأمام هذا المصاب الجلل، يستحضر جمال السوسي بامتنان كبير الرجل الذي كان بالنسبة إليه أكثر من أستاذ؛ كان مرشدًا وموجّهًا ومرجعًا فكريًا وإنسانيًا. فجزء مهم من طريقته في التفكير والكتابة والتحليل يحمل إلى اليوم بصمة المكي أبو الشمائل وتعاليمه.

يرحل الرجال، لكن الأفكار لا ترحل. وتغيب الأجساد، لكن الأثر يبقى حيًا في تلامذة حملوا المشعل من بعدهم. وهكذا سيبقى المكي أبو الشمائل حاضرًا في كل فكرة ألهمها، وفي كل قلم ساهم في تكوينه، وفي كل عقل أيقظ فيه شغف المعرفة والبحث عن الحقيقة.

رحم الله أستاذي ومعلمي وصديقي المكي أبو الشمائل رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجزاه عن العلم والمعرفة والتربية خير الجزاء. لقد رحل الجسد، لكن الأثر سيظل باقيًا، شاهداً على حياة كرّسها صاحبها لخدمة الفكر والإنسان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

.