500 درهم لا تصنع كرامة: لماذا يفضل 60% من المستفيدين عملاً قاراً على الدعم الاجتماعي؟

0
126

الدعم الاجتماعي أم دعم الانتظار؟ عندما تصبح 500 درهم أصغر من فاتورة الكهرباء والماء وقنينة الغاز

في نهاية كل شهر، يتكرر المشهد نفسه داخل آلاف البيوت المغربية. رب أسرة ينظر إلى هاتفه ليتأكد من وصول مبلغ الدعم الاجتماعي المباشر، ثم يبدأ في توزيع ذلك المبلغ ذهنيا قبل أن يلمسه فعليا. جزء لفاتورة الكهرباء، جزء للماء، جزء للغاز، وجزء للمواد الغذائية التي لا تتوقف أسعارها عن الارتفاع. وبعد دقائق قليلة يكتشف أن المبلغ انتهى نظريا قبل أن ينتهي عمليا. هنا تحديدا يصبح السؤال مختلفا: هل يتعلق الأمر بدعم اجتماعي حقيقي أم بمساهمة رمزية في مواجهة غلاء يتوسع كل يوم؟

الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي كشفت أن 60 في المائة من المستفيدين من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر مستعدون للتخلي عنه مقابل الحصول على عمل قار، فيما أبدى 40 في المائة رغبتهم في مواكبة نحو الإدماج المهني أو إطلاق مشاريع مدرة للدخل. هذه النتيجة تبدو للوهلة الأولى إيجابية لأنها تعكس رغبة الأسر في العمل بدل الاعتماد على المساعدة. لكنها تحمل في عمقها رسالة أخرى أكثر أهمية: غالبية المستفيدين يعتبرون أن الوظيفة المستقرة أكثر قيمة وأمنا من الدعم نفسه.

الأرقام الرسمية الخاصة بالبرنامج تكشف أن الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر هو 500 درهم شهريا للأسر المستفيدة، سواء عبر الإعانة الجزافية أو عبر آلية رفع الدعم تلقائيا إلى هذا السقف عندما يكون أقل من ذلك. كما تمثل هذه الإعانات في المتوسط حوالي 18 في المائة فقط من مجموع مداخيل الأسر المستفيدة.

لكن ماذا تعني 500 درهم في الحياة اليومية لمواطن يعيش تحت ضغط الأسعار؟

إذا كانت أسرة بسيطة تؤدي اشتراكا للهاتف والإنترنت يقترب من 200 أو 300 درهم شهريا، وتحتاج إلى قنينة غاز أو أكثر خلال الشهر، وتواجه فواتير الماء والكهرباء والتنقل، فإن مبلغ 500 درهم يتحول بسرعة إلى رقم رمزي لا يغير جذريا واقع الفقر أو الهشاشة. فالدعم قد يساعد على التنفس، لكنه لا يخلق استقلالا اقتصاديا، ولا يوفر وظيفة، ولا يضمن مستقبلا.

لهذا تبدو نتيجة الدراسة منطقية للغاية. فالمواطن الفقير لا يحلم بالحصول على 500 درهم إضافية، بل يحلم براتب شهري ثابت. لا يحلم بالاستفادة من برنامج اجتماعي فقط، بل يريد الخروج من دائرة الاستفادة نهائيا. فالفارق بين الدعم والعمل ليس فقط فارقا ماليا، بل فارق نفسي واجتماعي أيضا. العامل يشعر بأنه ينتج ويخطط ويؤسس لمستقبل أسرته، بينما يظل المستفيد من الدعم رهينا لتطور السياسات العمومية ومعايير الاستحقاق والتقييم الإداري.

واللافت أن الدراسة نفسها تكشف مفارقة مهمة. فبينما عبر أكثر من 90 في المائة من الأسر عن رضاها العام عن البرنامج، وأكد 87 في المائة شعورها بتحسن منذ الاستفادة منه، فإن نسبة الادخار لا تتجاوز 1 في المائة من إجمالي الإنفاق. كما أن الجزء الأكبر من المصاريف يذهب مباشرة إلى التغذية والصحة والسكن. وهذا يعني أن الأموال لا تتحول إلى استثمار أو تراكم اقتصادي، بل تستهلك بالكامل في مواجهة الاحتياجات الأساسية اليومية. بمعنى آخر، الدعم يخفف الألم لكنه لا يعالج المرض.

ومن هنا يظهر التحول الكبير الذي يعيشه المغرب في مقاربته الاجتماعية. فبعد سنوات طويلة كانت الدولة تركز فيها على تقديم المساعدات المباشرة للفئات الهشة، بدأت تظهر اليوم أسئلة جديدة حول المرحلة المقبلة. هل يكفي تحويل الأموال إلى الحسابات البنكية؟ أم أن التحدي الحقيقي هو تحويل المستفيدين إلى فاعلين اقتصاديين منتجين؟

التجارب الدولية الكبرى في مجال الحماية الاجتماعية تؤكد أن الدعم المالي وحده لا يقضي على الفقر. فالدعم يصبح أكثر فعالية عندما يقترن بالتكوين المهني، والتشغيل، ومواكبة المشاريع الصغيرة، وتحسين جودة التعليم والصحة. لذلك فإن الرسالة الأهم التي أفرزتها الدراسة ليست نسبة الرضا المرتفعة، بل تلك النسبة البالغة 60 في المائة من المستفيدين الذين قالوا للدولة بشكل غير مباشر: لا نريد أن نبقى مستفيدين إلى الأبد.

هذا المعطى يحمل دلالة سياسية واجتماعية عميقة. فالمغاربة لا يطالبون فقط بالمساعدة، بل يطالبون بالكرامة الاقتصادية. والكرامة الاقتصادية لا تتحقق بتحويل مالي مهما كانت أهميته، بل بخلق فرص عمل مستقرة تضمن دخلا دائما وقدرة على التخطيط للمستقبل.

لذلك قد يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: كم عدد الأسر التي استفادت من الدعم الاجتماعي؟ بل: كم عدد الأسر التي تمكنت من مغادرة دائرة الدعم بفضل وظيفة أو مشروع منتج؟

فالنجاح الحقيقي لأي سياسة اجتماعية لا يقاس بعدد المستفيدين الذين يدخلون إلى المنظومة، بل بعدد الذين يصبحون قادرين على الخروج منها. وعندما يعلن 60 في المائة من المستفيدين استعدادهم للتخلي عن الدعم مقابل عمل قار، فإنهم لا ينتقدون البرنامج بقدر ما يكشفون سقفه الحقيقي. فبين 500 درهم وراتب شهري مستقر، تختار الأغلبية العمل. ليس لأن الدعم بلا قيمة، بل لأن الإنسان لا يبحث فقط عن المال، بل يبحث عن الاستقلال والكرامة والشعور بأنه يصنع مستقبله بيده.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ربما يكون أعظم نجاح للدعم الاجتماعي المغربي ليس في عدد المستفيدين منه، بل في عدد الذين يحلمون بألا يحتاجوا إليه يوما.