لم يكن البلاغ الذي أصدرته النقابة المستقلة لقطاعات الصحة، العضو في اتحاد النقابات المستقلة بالمغرب، بشأن الأوضاع داخل قسم المستعجلات بالمركز الاستشفائي الجهوي مولاي يوسف بالرباط مجرد موقف نقابي عابر أو رد فعل ظرفي على واقعة إدارية محددة، بل بدا وكأنه جرس إنذار يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بطريقة تدبير واحد من أكثر المرافق الصحية حساسية داخل المنظومة الصحية العمومية. فحين تختار هيئة نقابية تمثل مهنيي القطاع الخروج إلى الرأي العام للحديث عما تعتبره مظاهر توتر وتداخل في الاختصاصات وسلوكات تؤثر على ظروف العمل داخل قسم المستعجلات، فإن القضية تتجاوز حدود الأشخاص لتطرح أسئلة جوهرية حول الحكامة الإدارية والقدرة على تدبير الاختلافات داخل المؤسسات الصحية.
فخلال اجتماع موسع خصصه المكتب الوطني للنقابة المستقلة لقطاعات الصحة لمناقشة ما وصفه بالأوضاع المقلقة التي يعرفها قسم المستعجلات، عبرت النقابة عن استغرابها مما اعتبرته مجموعة من الممارسات والتصرفات التي انعكست، بحسب ما جاء في بلاغها، على السير العادي لهذا المرفق الحيوي وعلى الأجواء المهنية داخله. وفي صلب هذه الملاحظات برزت قضية تداخل الاختصاصات والمسؤوليات بين رئاسة القسم ورئاسة المصلحة، وهي النقطة التي اعتبرتها النقابة مدخلاً لفهم جزء من التوتر الذي أصبح يطبع الحياة المهنية داخل هذا المرفق.
وقد يكون من السهل النظر إلى هذه الوقائع باعتبارها مجرد خلاف إداري داخلي، غير أن القراءة المتأنية لما ورد في البلاغ النقابي تكشف أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير. فقسم المستعجلات ليس إدارة عادية يمكن أن تتحمل الارتجال أو الغموض في توزيع المسؤوليات، بل هو فضاء ترتبط فيه القرارات التنظيمية بشكل مباشر بسرعة التدخل الطبي وجودة التكفل بالمرضى. ولذلك فإن أي إشكال مرتبط بسلسلة القيادة أو بتحديد المسؤوليات يكتسب بعداً يتجاوز العاملين بالمؤسسة ليصبح قضية تهم المرتفقين أنفسهم.
وتذهب النقابة المستقلة لقطاعات الصحة إلى أن الأجواء التي تم تسجيلها خلال الفترة الأخيرة ساهمت في خلق حالة من الاحتقان المهني والشخصي داخل القسم، وهو ما تعتبره مؤشراً مقلقاً بالنظر إلى طبيعة العمل بالمستعجلات التي تتطلب قدراً كبيراً من الانسجام والتنسيق بين مختلف المتدخلين. فالعاملون في هذا النوع من المصالح يشتغلون تحت ضغط متواصل، ويتعاملون يومياً مع حالات إنسانية معقدة، ما يجعل الاستقرار المهني والنفسي أحد الشروط الأساسية لضمان جودة الخدمات الصحية.
وفي خلفية هذا النقاش تبرز قضية الحكامة التي أصبحت تشكل أحد أعمدة الإصلاح الصحي بالمغرب. فالدولة استثمرت خلال السنوات الأخيرة في إطلاق أوراش كبرى مرتبطة بالحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة المنظومة الصحية، غير أن نجاح هذه المشاريع لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية أو النصوص التنظيمية، بل يقاس أيضاً بمدى قدرة المؤسسات الصحية على ترسيخ ثقافة التدبير الرشيد والقيادة التشاركية واحترام الاختصاصات والمساطر القانونية.
ومن هذا المنطلق، فإن النقابة المستقلة لا تكتفي بإثارة وقائع محددة، بل تدعو ضمنياً إلى مراجعة فلسفة التدبير داخل المرفق الصحي، من خلال تعزيز الشفافية واحترام منطق الاستحقاق والكفاءة ومحاربة كل المظاهر التي يمكن أن تؤدي إلى الإحساس بالحيف أو التمييز أو تغليب العلاقات الشخصية على المعايير المهنية. وهي قضايا ظلت لسنوات ضمن أبرز التحديات التي تواجه الإدارة العمومية بمختلف قطاعاتها، وليس قطاع الصحة فقط.
كما يثير البلاغ النقابي مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بضرورة توضيح المعطيات المرتبطة باستعمال التوقيع والخاتم الإداري الخاصين برئيسة مصلحة المستعجلات. وفي هذا السياق تؤكد النقابة على أهمية التحقق من مدى احترام الإجراءات والمساطر القانونية المعمول بها، معتبرة أن ترسيخ دولة المؤسسات يبدأ من احترام القواعد التنظيمية التي تؤطر عمل الإدارات والمصالح العمومية.
وفي المقابل، يشير البلاغ إلى ما تعتبره النقابة أهمية الحفاظ على الكفاءات المهنية وتوفير الظروف المناسبة لها من أجل أداء مهامها في أحسن الظروف، مشددة على أن نجاح الإصلاحات الصحية يبقى رهيناً بتعبئة الموارد البشرية المؤهلة وإشراكها في تدبير المرحلة الحالية التي تعرف تنزيل أوراش استراتيجية كبرى داخل القطاع.
وفي العمق، لا يتعلق النقاش الذي فتحته النقابة المستقلة لقطاعات الصحة فقط بمكتب إداري أو بتوزيع الاختصاصات أو بخلافات مهنية عابرة، بل يتعلق بالنموذج التدبيري الذي تحتاجه المؤسسات الصحية المغربية في هذه المرحلة الدقيقة. فبين منطق القرار الأحادي المغلق ومنطق المشاركة والتشاور والانفتاح، يتحدد مستقبل المرفق العمومي وقدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين والمهنيين على حد سواء.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا البلاغ: هل تكمن أزمة بعض المؤسسات الصحية في نقص الإمكانيات فقط، أم أن التحدي الأكبر يوجد أحياناً في أسلوب التدبير وطريقة إدارة الموارد البشرية والعلاقات المهنية داخلها؟ ذلك أن نجاح أي إصلاح صحي لا يبدأ من البنايات والتجهيزات وحدها، بل يبدأ من بناء ثقافة مؤسساتية تجعل القانون والكفاءة والتعاون المشترك أساساً لكل قرار، وتجعل مصلحة المريض فوق كل الاعتبارات الأخرى.