عجز السيولة البنكية يتراجع بالمغرب.. هل بدأت الدورة النقدية تستعيد توازنها أم أن الضغوط الهيكلية ما زالت قائمة؟
في عالم الاقتصاد لا تروي الأرقام حكايتها كاملة، بل تكشف أحياناً ما يجري خلف الستار. وعندما يتراجع متوسط عجز السيولة البنكية بالمغرب إلى حوالي 156 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين الرابع والحادي عشر من يونيو، فإن الخبر لا يتعلق فقط بمؤشر تقني يهم المصرفيين وخبراء المالية، بل يلامس بشكل غير مباشر حياة المقاولات والأسر والمستثمرين، ويعكس صورة أوسع عن الحالة النقدية التي يعيشها الاقتصاد الوطني في مرحلة دقيقة تتداخل فيها رهانات النمو مع تحديات التمويل والاستثمار.
قد يبدو مفهوم “عجز السيولة البنكية” بعيداً عن اهتمامات المواطن العادي، لكنه في الحقيقة أحد المؤشرات التي تحدد مدى قدرة الأبناك على تمويل الاقتصاد. فكلما ارتفعت حاجة البنوك إلى السيولة، ازدادت درجة اعتمادها على تدخلات البنك المركزي، وكلما تراجعت هذه الحاجة ظهرت مؤشرات على تحسن التوازن داخل المنظومة المالية، ولو بشكل نسبي.
الأرقام الأخيرة الصادرة عن مركز “بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش” تكشف أن متوسط العجز تراجع إلى 155,9 مليار درهم، وهو تطور يبدو إيجابياً للوهلة الأولى. غير أن القراءة المتأنية لهذا الرقم تفرض طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تحسن حقيقي ومستدام في وضعية السيولة أم أمام انخفاض ظرفي مرتبط بعوامل موسمية أو تقنية؟
لفهم الصورة بشكل أعمق، ينبغي العودة إلى السياق العام الذي تعيشه السوق النقدية المغربية منذ سنوات. فمنذ مرحلة ما بعد جائحة كورونا، ثم تداعيات التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، وجدت الأبناك المغربية نفسها أمام ضغوط متزايدة على مستوى السيولة. فارتفاع الطلب على التمويل من جهة، وتباطؤ وتيرة الادخار أحياناً من جهة أخرى، جعلا الحاجة إلى تدخل بنك المغرب أمراً شبه دائم للحفاظ على التوازن النقدي.
وفي هذا السياق، يكتسي قرار بنك المغرب برفع حجم تسبيقاته لمدة سبعة أيام إلى 55,4 مليار درهم دلالة مهمة. فالبنك المركزي لا يتدخل فقط لضخ الأموال داخل السوق، بل يمارس دور “صمام الأمان” الذي يمنع انتقال التوترات النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي. وعندما تحتاج الأبناك إلى تمويل قصير الأجل، فإن تدخل المؤسسة النقدية يصبح ضرورياً للحفاظ على استقرار أسعار الفائدة وضمان استمرار تدفق القروض نحو الأسر والمقاولات.
لكن المفارقة تكمن في أن تراجع العجز جاء بالتزامن مع ارتفاع واضح في توظيفات الخزينة اليومية، التي بلغت مستويات أعلى من الأسبوع السابق. وهذا المعطى يعكس دينامية مالية مركبة، حيث تستفيد السوق من تدفقات نقدية مؤقتة مصدرها تدبير الخزينة العمومية، وهو ما يساهم في تخفيف الضغط على الأبناك دون أن يعني بالضرورة اختفاء الأسباب الهيكلية للعجز.
من زاوية أخرى، يكتسب استقرار المعدل المتوسط المرجح عند 2,25 في المائة أهمية خاصة، لأنه يعكس نجاح السياسة النقدية في الحفاظ على توازن السوق وعدم السماح بحدوث تقلبات حادة في تكلفة الأموال. كما أن تحرك مؤشر “مونيا” نحو 2,224 في المائة يؤكد أن السوق النقدية ما زالت تتحرك داخل النطاق الذي يرسمه بنك المغرب، وهو ما يعزز الثقة في قدرة المؤسسة على التحكم في أدواتها النقدية رغم الإكراهات الخارجية.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالمؤشرات التقنية بحد ذاتها، بل بما تعنيه بالنسبة للاقتصاد الوطني. فالسيولة البنكية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتمويل النشاط الاقتصادي. وعندما تتحسن ظروف السيولة، يفترض نظرياً أن ينعكس ذلك على قدرة المقاولات على الحصول على التمويل، وعلى وتيرة الاستثمار، وعلى خلق فرص الشغل. لكن التجارب الدولية تظهر أن وفرة السيولة لا تتحول تلقائياً إلى نمو اقتصادي إذا لم تكن هناك ثقة كافية لدى المستثمرين وآفاق واضحة أمام القطاع الخاص.
هنا تبرز إحدى الإشكاليات العميقة التي تواجه الاقتصادات الحديثة، ومنها المغرب. فالبنوك قد تتوفر على السيولة، والبنك المركزي قد يضخ الأموال عند الحاجة، لكن الحلقة الحاسمة تبقى مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي: هل توجد مشاريع قادرة على استيعاب التمويلات؟ وهل يشعر المستثمر بأن البيئة الاقتصادية تسمح له بالمخاطرة والتوسع؟ وهل يتحول التمويل إلى إنتاج وثروة وفرص عمل، أم يبقى محصوراً في دوائر مالية محدودة؟
اللافت أيضاً أن التوقعات تشير إلى اتجاه بنك المغرب نحو تخفيض حجم تدخلاته خلال الفترة المقبلة، عبر تقليص تسبيقات السبعة أيام إلى 43,8 مليار درهم. هذا التوجه يمكن قراءته باعتباره رسالة مزدوجة: فمن جهة يعكس ثقة نسبية في قدرة السوق على تدبير جزء أكبر من احتياجاتها التمويلية، ومن جهة أخرى يؤكد حرص البنك المركزي على عدم الإبقاء على مستويات مرتفعة من الدعم النقدي لفترات طويلة حتى لا تتحول السوق إلى حالة من الاعتماد الدائم على تدخلاته.
وفي العمق، يكشف هذا التطور أن المغرب يعيش مرحلة انتقالية دقيقة بين متطلبات دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية والنقدية. فكل درهم يتم ضخه في السوق يحمل معه رهانات تتعلق بالتضخم والاستثمار والاستهلاك والاستقرار المالي. لذلك فإن إدارة السيولة ليست مجرد عملية تقنية داخل أروقة البنك المركزي، بل هي جزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الاقتصاد الوطني وقدرته على تحقيق نمو مستدام وشامل.
وربما لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان عجز السيولة قد تراجع هذا الأسبوع أو ارتفع في الأسبوع المقبل، بل في ما إذا كان الاقتصاد المغربي ينجح تدريجياً في بناء دورة اقتصادية قادرة على تمويل نفسها بنفسها، دون اعتماد مفرط على التدخلات النقدية الاستثنائية. فاستقرار الأسواق المالية يظل مؤشراً مهماً، لكن المعيار النهائي لأي سياسة نقدية ناجحة يبقى هو قدرتها على الوصول إلى حياة الناس، وتحويل الأرقام المجردة إلى استثمار وفرص عمل وتنمية ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل يومه، لا في نشرات المؤشرات الاقتصادية فقط.