عندما تصبح أزمة النخب سؤالاً عن مستقبل الدولة: قراءة في الطرح السياسي للأستاذ عزيز الدروش

0
117

أثار الأستاذ عزيز الدروش، المحلل والفاعل السياسي، من خلال مقاله حول ما سماه ضرورة الانفتاح على الكفاءات الوطنية المستقلة، قضية ليست جديدة في المغرب، لكنها تعود إلى الواجهة كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وارتفعت انتظارات المواطنين. فالرجل لا يتحدث في جوهر طرحه عن أشخاص بعينهم بقدر ما يثير سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة النخب التي تدير الشأن العام، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

ما يلفت الانتباه في قراءة الدروش أنه ينطلق من ملاحظة أصبحت حاضرة بقوة داخل النقاش العمومي، وهي أن جزءاً من المواطنين بات يقيم السياسات العمومية من خلال نتائجها الملموسة لا من خلال الخطابات السياسية أو الحملات التواصلية. فحين يرتبط الحديث اليومي للمغاربة بقضايا التعليم والصحة والقدرة الشرائية وفرص الشغل والعدالة المجالية، فإن النقاش ينتقل تلقائياً من البرامج إلى الأشخاص والمؤسسات التي تشرف على تنزيل تلك البرامج.

ومن خلال هذا المنظور، يوجه الدروش رسالة واضحة إلى الطبقة السياسية مفادها أن الشرعية الانتخابية أو الحضور الإعلامي لم يعدا كافيين لإقناع الرأي العام، وأن المعيار الذي يزداد حضوراً في وعي المواطنين هو معيار النجاعة والنتائج. وهي رسالة تتجاوز الأحزاب والحكومات لتطال مختلف الفاعلين في مواقع القرار، لأن أزمة الثقة التي يتحدث عنها ليست مرتبطة بمؤسسة بعينها، بل بمسار طويل من التراكمات التي جعلت قطاعات واسعة من المجتمع تطرح أسئلة متزايدة حول جدوى العمل السياسي وقدرته على الاستجابة للانتظارات.

وفي العمق، يبدو أن صاحب المقال يطرح إشكالية العلاقة بين استمرارية الدولة وتجديد النخب. فالدول تحتاج بطبيعتها إلى الاستقرار المؤسساتي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضخ دماء جديدة داخل دوائر القرار. وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح المغرب خلال العقود الأخيرة في تحقيق التوازن بين الاستقرار والتجديد؟ أم أن وتيرة تجديد النخب ظلت أبطأ من وتيرة التحولات التي يعرفها المجتمع؟

كما أن الإشارة التي وردت في مقال الدروش بشأن الكفاءات الوطنية داخل المغرب وخارجه تفتح ملفاً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية الاستفادة من الرأسمال البشري المغربي. فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية حضوراً متزايداً لكفاءات علمية وأكاديمية واقتصادية في مؤسسات دولية ومراكز بحث وشركات عالمية، غير أن النقاش ما زال مستمراً حول حجم مساهمة هذه الطاقات في صناعة القرار العمومي وفي بلورة السياسات الاستراتيجية الكبرى.

واللافت أن طرح الدروش لا يتوقف عند الجانب السياسي فقط، بل يلامس بعداً تنموياً أوسع. فالتحديات التي تواجه المغرب اليوم لم تعد تقتصر على تدبير الملفات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بقضايا أكثر تعقيداً مثل التحول الرقمي، والأمن الغذائي، والتغيرات المناخية، وجاذبية الاستثمار، وإصلاح المدرسة العمومية، وتأهيل المنظومة الصحية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهي ملفات تجعل سؤال الكفاءة والخبرة والتخصص أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة مقال الدروش باعتباره دعوة غير مباشرة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالثقة لا تُبنى فقط عبر النصوص القانونية أو الخطابات الرسمية، وإنما عبر شعور المواطن بأن الكفاءة والاستحقاق يشكلان الطريق الطبيعي للوصول إلى المسؤولية، وأن المحاسبة تطبق على الجميع وفق قواعد واضحة وعادلة. لذلك فإن النقاش الذي يفتحه الكاتب حول النخب ليس نقاشاً نخبوياً مغلقاً، بل يرتبط مباشرة بحياة المواطنين اليومية وبمدى شعورهم بالإنصاف والعدالة.

غير أن السؤال الأكثر أهمية الذي يطرحه المقال، وإن لم يأت بصيغة مباشرة، هو ما إذا كانت أزمة التنمية في المغرب مرتبطة أساساً بالأشخاص أم بالمنظومات. فهل يكفي تغيير الوجوه لتحقيق نتائج مختلفة؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير آليات اشتغال المؤسسات نفسها، بما يسمح بإنتاج نخب جديدة بشكل مستمر ويجعل الكفاءة قاعدة لا استثناء؟

هنا تحديداً تكتسب قراءة عزيز الدروش بعداً استراتيجياً. فهو لا يدعو فقط إلى حضور أسماء جديدة في المشهد العام، بل يثير قضية أعمق تتعلق بقدرة الدولة والمجتمع معاً على تجديد أدواتهما الفكرية والسياسية والإدارية لمواجهة تحديات المستقبل. فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والمنافسة بين الدول أصبحت تقوم على المعرفة والابتكار وجودة الحكامة أكثر مما تقوم على الموارد التقليدية.

وفي نهاية المطاف، فإن القيمة الحقيقية لطرح الدروش لا تكمن في الأسماء التي ذكرها أو انتقدها، بل في السؤال الذي يتركه مفتوحاً أمام الرأي العام: كيف يمكن للمغرب أن يربح معركة التنمية والثقة في آن واحد؟ وهل أصبح تجديد النخب والكفاءات ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات المستقبل، أم أن الإشكال أعمق ويتعلق بضرورة تجديد طرق التفكير وصناعة القرار نفسها؟ إنها أسئلة تتجاوز حدود المقال لتلامس أحد أكثر الملفات حساسية في حاضر المغرب ومستقبله.