بين محاربة السمسرة وحماية حرية الاختيار: ماذا يكشف الجدل حول تجريم استمالة الزبائن في مشروع قانون المحاماة؟
لا يتعلق النقاش الدائر اليوم داخل البرلمان المغربي حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة بمجرد مادة قانونية إضافية أو بعقوبة جديدة أُدرجت في نص تشريعي. فخلف الجدل الذي أثارته مقتضيات تجريم “سمسرة الزبناء” واستمالتهم لفائدة المحامين، يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين العدالة والسوق، وبين أخلاقيات المهنة ومنطق المنافسة، وبين حق المواطن في اختيار من يدافع عنه وحق الدولة في حماية نزاهة المرفق القضائي.
عندما دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن تجريم المحامي الذي يقبل استقبال الملفات والموكلين عبر وسطاء مقابل منفعة مالية، لم يكن يتحدث فقط عن مخالفة مهنية معزولة، بل عن ظاهرة ظلت تتردد داخل الأوساط القانونية منذ سنوات. ظاهرة يقوم فيها أشخاص، لا تربطهم بالمهنة أي صفة قانونية، بتحويل المحاكم والمستشفيات ومكاتب التأمين ومراكز الحوادث إلى فضاءات للبحث عن الزبناء، قبل توجيههم إلى محامين محددين مقابل عمولات مالية أو نسب من الأتعاب. وهي ممارسات تعتبرها العديد من الأنظمة القانونية في العالم ضرباً من ضروب الاتجار في الحاجة القانونية للمتقاضين، لأنها تنقل العلاقة بين المحامي وموكله من فضاء الثقة والاختيار الحر إلى فضاء الوساطة التجارية والصفقات الخفية.
لهذا جاء مشروع القانون رقم 66.23 في سياق أوسع يرتبط بإعادة هيكلة المهنة وتحديث منظومة العدالة المغربية، وهي عملية إصلاح تشريعي تقول الحكومة إنها استغرقت سنوات من المشاورات والحوارات مع مختلف الفاعلين بهدف تعزيز الشفافية والحكامة داخل قطاع العدالة.
غير أن النقاش البرلماني كشف أن القضية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهر النصوص. فالمعارضون لبعض الصياغات لا يدافعون بالضرورة عن السمسرة أو عن الوسطاء، بل يطرحون سؤالاً قانونياً دقيقاً: كيف يمكن إثبات مشاركة المحامي في هذا الفعل؟ وأين تبدأ حدود المسؤولية الجنائية وأين تنتهي؟ وهل يكفي أن يقترح شخص اسم محام على صديق أو قريب حتى يصبح الأمر استمالة للزبناء؟ أم أن الأمر يتعلق حصراً بحالات وجود مقابل مادي ومنفعة مباشرة؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل تمس أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها العدالة الحديثة، وهو مبدأ اليقين القانوني. فكلما اتسعت دائرة التجريم دون تحديد دقيق للأركان المادية والمعنوية للجريمة، ارتفعت مخاوف الممارسين من التأويل الواسع للنصوص. وفي المقابل، كلما ضاقت دائرة التجريم، ظهرت ثغرات تسمح باستمرار ممارسات تعتبرها الدولة والهيئات المهنية مسيئة لصورة العدالة.
ومن زاوية اجتماعية، يبدو أن الجدل يتجاوز المحامين أنفسهم ليصل إلى المواطن العادي. فالمتقاضي الذي يدخل لأول مرة إلى عالم المحاكم غالباً ما يكون في وضع هش: ضحية حادثة سير، أو نزاع عائلي، أو قضية شغل، أو ملف عقاري معقد. وفي مثل هذه الحالات يصبح عرضة للتأثير والتوجيه من طرف الوسطاء الذين يقدمون أنفسهم كمرشدين أو مساعدين بينما يتحرك بعضهم بمنطق الربح. ولذلك يرى المدافعون عن التشديد أن الهدف الحقيقي هو حماية المواطن من شبكات غير رسمية تستثمر في جهله بالإجراءات القانونية وفي لحظات ضعفه الإنساني.
لكن الوجه الآخر للنقاش يطرح بدوره إشكالية لا تقل أهمية. فالعالم يشهد منذ سنوات تحولات عميقة في طريقة تسويق الخدمات القانونية. ففي عدد من الدول أصبحت الإعلانات القانونية والمواقع الرقمية ومنصات تقييم المحامين وسائل عادية للتعريف بالخدمات المهنية في إطار قانوني منظم. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يلمح وزير العدل خلال المناقشات إلى النموذج الأمريكي حيث يسمح للمحامين بالإشهار وفق ضوابط قانونية واضحة، معتبراً أن رفض تجريم السمسرة قد يقود مستقبلاً إلى نقاش أوسع حول تقنين الإعلان المهني نفسه.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي يختبئ خلف المادة 142: هل المشكلة في الوصول إلى الزبون أم في الطريقة التي يتم بها هذا الوصول؟ فالمحاماة لم تعد تعيش في عالم مغلق كما كان الحال قبل عقود. الثورة الرقمية غيرت كل شيء، وأصبح المواطن يبحث عن محاميه عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي كما يبحث عن الطبيب أو المهندس أو الخبير المالي. ولذلك فإن التحدي التشريعي لا يكمن فقط في منع السماسرة، بل في رسم حدود واضحة بين التعريف المشروع بالخدمات القانونية وبين تحويل العدالة إلى سوق مفتوحة للمزايدات.
الجدل الحالي يأتي أيضاً في سياق أوسع من الخلافات التي رافقت مشروع قانون المحاماة منذ بداية مساره التشريعي، حيث اعتبرت بعض الهيئات المهنية أن عدداً من المقتضيات المطروحة تمس استقلالية المهنة أو توسع من دائرة الرقابة والعقوبات، بينما ترى الحكومة أن الإصلاح أصبح ضرورة لرفع جودة الخدمات القانونية وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة.
وفي العمق، قد لا يكون الصراع الحقيقي بين مؤيد ومعارض للمادة 142، بل بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل المحاماة في المغرب. رؤية تعتبر أن المهنة تحتاج إلى مزيد من الضبط والتقنين والزجر لمواجهة التجاوزات التي تراكمت عبر السنوات. ورؤية أخرى تخشى أن يؤدي التوسع في التجريم إلى تقليص هامش الحرية المهنية وإثقال الممارسة القانونية بقيود إضافية.
وفي النهاية، لا يبدو أن السؤال الذي يطرحه هذا النقاش هو: هل يجب معاقبة السمسرة أم لا؟ بل سؤال أكثر عمقاً يتعلق بشكل العدالة التي يريدها المغرب في العقود المقبلة. هل نريد عدالة تُحمى من منطق السوق بالكامل؟ أم عدالة تستوعب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة دون أن تفقد قيمها الأخلاقية؟ وبين هذين الخيارين ستبقى المادة 142 مجرد تفصيل صغير في معركة أكبر حول مستقبل مهنة لا تدافع فقط عن الأفراد، بل تدافع أيضاً عن صورة الدولة نفسها أمام مواطنيها.