لم تكن الهزيمة الثقيلة التي تلقاها المنتخب الجزائري أمام الأرجنتين بثلاثية نظيفة في افتتاح مشواره بمونديال 2026 مجرد نتيجة رياضية عابرة تُضاف إلى أرشيف كأس العالم، بل بدت وكأنها لحظة كاشفة اصطدمت فيها الرواية الإعلامية بالواقع الميداني. فبينما دخلت الأرجنتين المباراة وهي تحمل تاريخ بطل عالمي يعرف حدود قوته ويجيد إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الانتصارات الكبرى، دخل المنتخب الجزائري محاطاً بهالة من التوقعات والطموحات التي تجاوزت في كثير من الأحيان ما تسمح به المعطيات الفنية الحقيقية.
في كرة القدم الحديثة، لا تُقاس قوة المنتخبات بحجم الحماس الجماهيري ولا بكمية الخطابات المتفائلة التي تسبق البطولات، وإنما بقدرتها على تحويل الطموح إلى منظومة لعب متكاملة. وهذا بالتحديد ما ظهر جلياً في ليلة كانساس سيتي. فمنذ الدقائق الأولى، بدا أن الجزائر تحاول مجاراة نسق المباراة بشجاعة ورغبة واضحة في إثبات الذات، لكن مع مرور الوقت أخذ الفارق بين المنتخبين يتسع ليس على مستوى النتيجة فقط، بل على مستوى التحكم في إيقاع اللقاء وقراءة تفاصيله الدقيقة.
كان ليونيل ميسي، الذي كتب أول ثلاثية في مسيرته بكأس العالم، الوجه الأكثر وضوحاً لهذا الفارق. غير أن اختزال الهزيمة الجزائرية في تألق النجم الأرجنتيني وحده قد يكون قراءة ناقصة للحدث. فالأرجنتين لم تنتصر فقط لأنها تمتلك ميسي، بل لأنها تمتلك منظومة تسمح لميسي بأن يكون ميسي. هناك وسط ميدان قادر على الاستحواذ، ولاعبون يعرفون متى يضغطون ومتى يهدئون النسق، ودفاع يتحرك كوحدة واحدة، وأفكار تكتيكية تراكمت عبر سنوات من العمل والاستقرار.
في المقابل، كشفت المباراة أن الجزائر لا تزال تبحث عن هويتها الكروية أكثر مما تدافع عن مشروع مكتمل المعالم. فالخطوط الثلاثة لم تتحرك بالانسجام المطلوب، والمسافات بين الدفاع والوسط والهجوم بدت أوسع مما ينبغي، فيما ظهر العجز واضحاً في السيطرة على منطقة الوسط التي تُعد القلب الحقيقي لأي فريق يريد منافسة كبار العالم. وعندما يفقد المنتخب السيطرة على وسط الميدان، يصبح المهاجم معزولاً والحارس تحت ضغط دائم، وتتحول الأخطاء الفردية إلى نتيجة طبيعية لا استثناءً.
ومن بين أكثر النقاط التي أعادت إشعال النقاش داخل الشارع الرياضي الجزائري قضية الحارس لوكا زيدان. فاسم زيدان يحمل حمولة رمزية ضخمة في عالم كرة القدم، ليس فقط بسبب والده الأسطورة زين الدين زيدان، بل لأنه يرتبط في المخيال الجماعي الجزائري والفرنسي بتاريخ كروي استثنائي. غير أن كرة القدم الاحترافية لا تعترف بالأسماء بقدر ما تعترف بالمردود. ولهذا وجد كثير من المتابعين أنفسهم أمام سؤال مشروع: هل كان الرهان على لوكا زيدان مبنياً على الجاهزية الفنية الخالصة، أم أن البعد الرمزي للاسم لعب دوراً في صناعة الثقة حوله؟
الحقيقة أن تحميل الحارس وحده مسؤولية الهزيمة سيكون ظلماً رياضياً وتحليلياً في آن واحد. فالحارس غالباً ما يكون الحلقة الأخيرة في سلسلة من الأخطاء تبدأ من فقدان الكرة في الوسط، أو سوء التغطية الدفاعية، أو ضعف الضغط على حامل الكرة. لكن في الوقت نفسه، فإن بعض اللقطات التي سبقت أهداف ميسي جعلت النقاش حول مستواه مشروعاً، خصوصاً في مباراة من هذا الحجم حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى لحظات حاسمة.
غير أن القضية الأعمق لا تتعلق بلوكا زيدان وحده، بل بثقافة كاملة من التضخيم الإعلامي التي رافقت المنتخب خلال الأشهر الأخيرة. فقد جرى تقديم العديد من اللاعبين وكأنهم نجوم الصف الأول في الكرة العالمية، بينما تكشف المسارات الاحترافية لكثير منهم أنهم لا يشغلون أدواراً مركزية داخل أقوى الأندية الأوروبية. وبين الصورة التي صُنعت إعلامياً والصورة التي ظهرت فوق أرضية الملعب، برزت فجوة واسعة دفعت الجماهير إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي رُوجت قبل البطولة.
هذه الظاهرة ليست حكراً على كرة القدم الجزائرية وحدها، بل ترتبط بثقافة رياضية وسياسية أوسع تعيشها العديد من الدول، حيث يتحول المنتخب الوطني إلى أداة لإنتاج التفاؤل الجماعي وصناعة الشعور بالقوة الوطنية. وعندما يحدث ذلك، يصبح النقد الفني صعباً، وتُستبدل القراءة الواقعية بالرغبة في تصديق الصورة المثالية. لكن البطولات الكبرى لا تعترف بهذه الروايات، لأنها تضع الجميع أمام اختبار الحقيقة الذي لا يمكن الهروب منه.
ولعل ما كشفت عنه مواجهة الأرجنتين هو أن الفجوة بين المنتخبات الكبرى والمنتخبات الطامحة لا تكمن فقط في جودة اللاعبين، بل في عمق المشاريع الرياضية نفسها. فالدول التي تنافس على الألقاب تبني منظومات تكوين طويلة الأمد، وتستثمر في الاستقرار التقني، وتُخضع اختياراتها لمنطق المنافسة والاستحقاق. أما المنتخبات التي تعيش على وقع الضجيج الإعلامي، فإنها غالباً ما تكتشف عند أول اختبار حقيقي أن الصورة التي رسمتها عن نفسها أكبر من الواقع الذي تملكه.
لقد ربحت الأرجنتين المباراة لأنها كانت الأفضل، لكن الجزائر خسرت أيضاً لأنها وقعت أسيرة صورة صنعتها عن نفسها قبل أن تصنعها داخل الملعب. وبين الهزيمة الرياضية وهزيمة التوقعات، تبدو الخسارة الثانية أكثر إيلاماً، لأنها تهز الثقة في الخطاب الذي سبق البطولة أكثر مما تهز الثقة في اللاعبين أنفسهم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه البداية الصعبة: هل ستتعامل الكرة الجزائرية مع ما حدث باعتباره فرصة للمراجعة الصريحة وإعادة البناء على أساس الكفاءة والمنافسة والواقعية، أم أنها ستلجأ مرة أخرى إلى تبرير الإخفاق وإعادة إنتاج الخطاب ذاته؟ ففي الرياضة كما في السياسة، لا تبدأ الأزمات حين تقع الهزائم، بل حين ترفض المؤسسات الاعتراف بالأسباب الحقيقية التي صنعتها.