بن سعيد يدعو إلى تمكين الشباب رقمياً لمواجهة مخاطر وسائل التواصل: معركة الوعي في زمن تتحول فيه المنصات إلى قوة تُعيد تشكيل العقول والهوية

0
102

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء افتراضي موازٍ للحياة الواقعية، بل تحوّلت إلى بنية تحتية غير مرئية تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتعيد توزيع السلطة الرمزية بين الدولة والمجتمع والفرد. في هذا السياق، يكتسب النقاش الذي فتحه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد حول “التمكين الرقمي للشباب” دلالة تتجاوز حدود التصريحات الرسمية، ليطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن تحويل الفضاء الرقمي من مصدر تهديد محتمل إلى أداة بناء للوعي والتنمية دون الوقوع في فخ الرقابة أو التفكك القيمي؟

في الجلسة الافتتاحية للقاء العربي الأول حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب المنعقد في الرباط، قدّم بنسعيد مقاربة تقوم على فكرة مركزية: أن التأثير الرقمي لم يعد ترفًا فكريًا أو موضوعًا نخبويًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأجيال الصاعدة، حيث يتشكل الوعي، وتُصاغ الاتجاهات، وتُبنى الانتماءات داخل شاشات صغيرة لكنها شديدة التأثير. هذا التحول العميق يجعل من النقاش حول الإعلام الرقمي قضية سياسات عمومية بامتياز، وليس مجرد نقاش تربوي أو ثقافي معزول.

لكن خلف هذه المقاربة الرسمية، تتكشف طبقات أكثر تعقيدًا. فوسائل التواصل الاجتماعي، كما أشار الوزير، تحمل طبيعة مزدوجة: فهي من جهة فضاء مفتوح للإبداع، يتيح للشباب التعبير عن الذات، وبناء مشاريع رقمية، والمشاركة في الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة. ومن جهة أخرى، تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة، وتغذية الاستقطاب الاجتماعي، وإضعاف الروابط التقليدية للانتماء، بل وحتى إعادة تشكيل الهوية الثقافية بشكل غير متوازن.

هذا التناقض البنيوي في المنصات الرقمية لا يمكن فهمه فقط من زاوية تقنية، بل يرتبط بتحولات أعمق في بنية المجتمع المعاصر. فالشباب اليوم يعيشون داخل اقتصاد انتباه عالمي، حيث تُقاس القيمة بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بعمق المعرفة أو جودة المحتوى. وهنا تصبح “الحرية الرقمية” نفسها ساحة تنازع بين منطق السوق، ومنطق الدولة، ومنطق الفرد الباحث عن التعبير.

من هذا المنظور، تبرز أهمية دعوة بنسعيد إلى “التمكين الرقمي الإيجابي”، أي الانتقال من منطق الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى منطق الإنتاج والمساهمة. غير أن هذا التحول ليس تقنيًا فقط، بل هو تحول تربوي وثقافي طويل الأمد، يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المدرسة والإعلام والأسرة والدولة. فالشاب الذي يُطلب منه أن يصبح “منتجًا رقميًا” يحتاج أولًا إلى أدوات نقدية، لا إلى مهارات تقنية فقط، بل إلى قدرة على تفكيك الخطاب، وتمييز الحقيقة من التضليل، وفهم آليات التأثير الخفي في المنصات.

في هذا السياق، تكتسب دعوة اللقاء العربي إلى صياغة رؤية مشتركة حول الفضاء الرقمي بعدًا سياسيًا إقليميًا واضحًا، خاصة في ظل تزايد التحديات العابرة للحدود: من حملات التضليل الإعلامي، إلى الخطابات المتطرفة، وصولًا إلى العزلة الاجتماعية التي تنتجها الخوارزميات نفسها. فالمسألة لم تعد محلية أو وطنية، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات الفضاء الرقمي العالمي، حيث تتقاطع مصالح الشركات التكنولوجية الكبرى مع سياسات الدول، ومع سلوك المستخدمين أنفسهم.

وتبرز هنا الإشارة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي “سلاح ذو حدين” ليست مجرد استعارة خطابية، بل توصيف دقيق لواقع معقد. فبينما تتيح هذه الوسائل فرصًا غير مسبوقة للتعلم والتواصل والابتكار، فإنها في الوقت ذاته تُنتج أشكالًا جديدة من الاغتراب الاجتماعي، حيث يصبح الفرد حاضرًا رقميًا وغائبًا اجتماعيًا، متصلًا بالعالم ومنفصلًا عن محيطه المباشر في آن واحد.

في المقابل، تأتي المقاربة المصرية، كما عرضها وزير الشباب والرياضة المصري وعبد الفتاح السيسي عبر السياسات الموجهة للشباب، لتؤكد على جانب آخر من المعادلة: مواجهة التطرف والشائعات عبر برامج التوعية الرقمية وتعزيز المحتوى الإيجابي. كما يبرز دور مؤسسات مثل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في محاولة بناء خطاب ديني معتدل داخل الفضاء الرقمي، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن معركة الوعي اليوم تُخاض داخل المنصات لا خارجها.

أما على مستوى البنية العربية الأوسع، فإن مداخلة ممثل جامعة الدول العربية تكشف عن إدراك مؤسساتي بأن التحول الرقمي لم يعد مجرد تحدٍ تقني، بل هو إعادة تشكيل شاملة لأنماط التواصل الاجتماعي والسياسي والثقافي. فالشباب العربي، باعتباره الأكثر حضورًا في الفضاء الرقمي، يوجد في قلب هذا التحول، لكنه في الوقت نفسه الأكثر عرضة لتناقضاته: بين الانفتاح المعرفي من جهة، والتضليل المعلوماتي من جهة أخرى.

وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يكفي الاستثمار في “التربية الرقمية” وحدها لمواجهة هذا التعقيد؟ أم أن الأمر يتطلب إعادة بناء منظومة متكاملة تشمل التعليم والإعلام والتشريع والسياسات العمومية؟ فالمعضلة لا تكمن فقط في المحتوى، بل في البنية التي تنتجه وتعيد توزيعه. الخوارزميات، على سبيل المثال، لا تعمل وفق اعتبارات تربوية أو أخلاقية، بل وفق منطق الربح والانتشار، ما يجعل التحكم في أثرها مسألة شديدة التعقيد.

في العمق، ما يطرحه هذا النقاش هو سؤال الإنسان في العصر الرقمي: هل ما يزال الإنسان هو من يستخدم التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا بدأت تعيد تشكيل الإنسان نفسه؟ فحين يصبح الانتباه سلعة، والهوية رقمًا، والعلاقات الاجتماعية تفاعلات سريعة، فإننا نكون أمام تحوّل أنثروبولوجي حقيقي يعيد تعريف مفاهيم مثل الحرية، والانتماء، والمعرفة.

إن الدعوة إلى تحويل الشباب من مستهلكين إلى منتجين رقميين تبدو في ظاهرها حلًا عمليًا، لكنها في جوهرها تتطلب إعادة التفكير في منظومة القيم التي تحكم هذا الإنتاج. فالإنتاج الرقمي ليس محايدًا، بل محكوم أيضًا بسياقات ثقافية واقتصادية تحدد ما يُنشر وما يُهمّش، وما يُرى وما يُخفى.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن السؤال الحقيقي يتعلق فقط بكيفية “حماية الشباب” من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، بل بكيفية بناء وعي قادر على العيش داخل هذا الفضاء دون فقدان القدرة على النقد والاستقلالية. فالمعركة ليست ضد التكنولوجيا، بل مع كيفية استخدامها، وليست ضد المنصات، بل ضد أن تتحول هذه المنصات إلى بديل كامل عن الواقع.

وهكذا، يظل التحدي مفتوحًا: كيف يمكن بناء جيل رقمي لا يعيش داخل الشاشة فقط، بل يمتلك القدرة على النظر إليها من الخارج أيضًا؟