الرجل الذي جاء بعد العاصفة.. مارك روبيو من عاصمة خليجية إلى أخرى حاملاً أسئلة أكبر من الاتفاق

0
55
تقرير سياسي استراتيجي يتناول زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الخليج في يونيو 2026 بعد التفاهم الأمريكي الإيراني، وأسباب الزيارة ورسائلها السياسية والأمنية وانعكاساتها على أمن الخليج ومضيق هرمز ومستقبل التوازنات الإقليمية.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في وزارة الخارجية بواشنطن في 16 يوليو 2025 - حقوق الصورة: أوميت بيكتاس/ رويترز

في إحدى ليالي الخليج الطويلة، حين كان البحر هادئاً على غير عادته، جلس شيخ مسن على شاطئ الخليج يتأمل الأفق البعيد. كانت السفن تمر ببطء، كأنها تتحسس طريقها وسط زمن مرتبك. التفت إلى حفيده وسأله:

“هل تعرف يا ولدي متى يصبح الهدوء أخطر من العاصفة؟”

هز الصبي رأسه نافياً.

ابتسم الشيخ وقال:

“حين تنتهي الحرب ولا يعرف أحد ماذا سيأتي بعدها”.

كان ذلك السؤال نفسه يدور في عواصم الخليج هذا الأسبوع، بينما كانت طائرة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تهبط تباعاً في أبوظبي والكويت والمنامة، بعد أيام قليلة فقط من الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني الذي أنهى واحدة من أخطر المواجهات العسكرية التي عرفتها المنطقة منذ عقود.

لم تكن الزيارة عادية.

فالسياسيون يعرفون أن بعض الرحلات لا تكون للاحتفال بالاتفاقات، بل لاحتواء القلق الذي تتركه الاتفاقات.

وكان الخليج قلقاً.

ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السلام المؤقت الذي جاء بعدها ما زال غامضاً.

أبوظبي.. بداية الرحلة

في أبوظبي بدأت الحكاية.

وصل روبيو إلى الإمارات بعد جولة تفاوضية مكثفة جرت بين واشنطن وطهران في سويسرا، وهي الجولة التي فتحت الباب أمام مفاوضات جديدة يفترض أن تستمر خلال الأسابيع المقبلة للوصول إلى اتفاق أكثر تفصيلاً.

لكن خلف الصور الرسمية والابتسامات الدبلوماسية كانت هناك أسئلة ثقيلة.

ماذا يعني التفاهم الجديد؟

هل أصبح الإيرانيون شركاء تفاوض بعد أن كانوا خصوماً في الحرب؟

وهل حصلت طهران على مكاسب استراتيجية ستغير توازنات المنطقة؟

تشير تقارير وكالة رويترز إلى أن عدداً من العواصم الخليجية أبدى تحفظات واضحة على بعض البنود المطروحة في التفاهم الأولي، خصوصاً ما يتعلق بتخفيف العقوبات وإمكانية إنشاء صندوق اقتصادي ضخم قد يوفر لإيران موارد مالية كبيرة مستقبلاً.

وكان روبيو يعرف أن أول مهمة له ليست شرح الاتفاق.

بل طمأنة الحلفاء.

الكويت.. مدينة الأسئلة الصعبة

عندما وصل إلى الكويت، بدا أن الرسالة الأمريكية أصبحت أكثر وضوحاً.

قال روبيو بصراحة إن الولايات المتحدة “لن تفعل شيئاً من شأنه تقويض أمن حلفائها في الخليج”، مؤكداً أن واشنطن ستظل منسقة بالكامل مع شركائها الخليجيين خلال المفاوضات المقبلة مع إيران.

في ظاهر الأمر بدت الجملة دبلوماسية تقليدية.

لكن في السياسة لا تُقال الجمل المهمة عبثاً.

فالجملة كانت اعترافاً ضمنياً بأن هناك قلقاً خليجياً حقيقياً.

خلال الأشهر الماضية تعرضت دول خليجية لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية أثناء الحرب. كما تضررت حركة الملاحة والطاقة بصورة مباشرة نتيجة الأزمة في مضيق هرمز. ولهذا كان من الطبيعي أن تسأل هذه الدول: ماذا سيكون ثمن السلام الجديد؟

وبحسب تقديرات عدد من الباحثين الأمريكيين، فإن الإدارة الأمريكية تدرك أن نجاح أي تفاهم مع إيران لن يكون ممكناً إذا شعر الحلفاء الخليجيون بأن مصالحهم الأمنية جرى تجاوزها.

ولهذا جاء روبيو ليؤكد أن الخليج ليس مجرد متلقٍ لنتائج المفاوضات، بل طرف يجب أن يؤخذ رأيه في كل مرحلة.

البحرين.. حيث اجتمع الخليج

في المنامة اكتسبت الزيارة بعداً أوسع.

فهنا لم يعد الحديث مقتصراً على دولة بعينها، بل على مجلس التعاون الخليجي بأكمله.

وكان واضحاً أن واشنطن تريد إرسال رسالة مزدوجة.

الأولى إلى دول الخليج.

والثانية إلى إيران.

أما الرسالة الأولى فمفادها أن التحالف الأمريكي الخليجي ما زال قائماً رغم الحوار مع طهران.

أما الرسالة الثانية فتقول إن أي اتفاق نهائي لن يُبنى على حساب الأمن الخليجي أو حرية الملاحة الدولية.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يكرر روبيو خلال جولته رفض أي رسوم أو قيود إيرانية على حركة السفن في مضيق هرمز، مؤكداً أن الممرات البحرية الدولية لا يمكن إخضاعها لمنطق السيطرة الأحادية.

لماذا جاء الآن؟

هنا تكمن العقدة الحقيقية.

فالزيارات الدبلوماسية الكبرى لا تتحرك وفق التقويم العادي.

إنها تتحرك وفق ميزان المخاوف.

وقد جاءت جولة روبيو في لحظة دقيقة للغاية.

المفاوضات الأمريكية الإيرانية لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي.

والمحادثات الجديدة في سويسرا ما زالت أمامها ملفات شديدة التعقيد، من البرنامج النووي الإيراني إلى آليات الرقابة الدولية ومستقبل العقوبات والقضايا الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال المنطقة تعيش آثار الحرب.

فمضيق هرمز أعيد فتحه نظرياً، لكن حركة الملاحة لم تعد إلى طبيعتها الكاملة بعد، فيما لا تزال تكاليف التأمين والشحن مرتفعة بصورة استثنائية.

بمعنى آخر، فإن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية بين الحرب والسلام.

وفي مثل هذه المراحل تصبح الطمأنة السياسية جزءاً من الأمن القومي.

ما وراء الزيارة

لو نظرنا إلى الزيارة من زاوية أوسع سنكتشف أنها لم تكن مرتبطة بإيران وحدها.

بل كانت مرتبطة بمستقبل النظام الإقليمي كله.

فواشنطن تحاول اليوم بناء معادلة جديدة.

معادلة تسمح بوقف المواجهة مع إيران دون خسارة الحلفاء.

وتسمح باستمرار التفاوض دون إضعاف الردع.

وتسمح بإعادة فتح هرمز دون منح طهران نفوذاً غير محدود على أهم ممر للطاقة في العالم.

وهذه مهمة ليست سهلة.

ولهذا وصف عدد من المحللين الغربيين مهمة روبيو بأنها واحدة من أكثر المهمات الدبلوماسية حساسية منذ بداية الأزمة.

حكاية الخليج بعد الحرب

عندما انتهى الشيخ من حديثه مع حفيده، كان الليل قد اقترب من نهايته.

سأله الصبي:

“وهل نجح الرجل الذي جاء من واشنطن؟”

نظر الشيخ إلى البحر طويلاً قبل أن يجيب.

ثم قال:

“لم يأتِ ليبيع اتفاقاً فقط.. بل جاء ليمنع الخوف من أن يكبر”.

وهذا ربما يلخص جوهر الزيارة كلها.

فماركو روبيو لم يأت إلى الخليج لأنه يحمل اتفاقاً نهائياً.

بل لأنه يحمل مرحلة انتقالية مليئة بالأسئلة.

والأسئلة في الشرق الأوسط غالباً ما تكون أخطر من الأجوبة.

فالحرب انتهت مؤقتاً.

أما معركة بناء الثقة بين الخليج وواشنطن وطهران، فما زالت في بدايتها.

ولهذا قد يُنظر إلى هذه الجولة مستقبلاً باعتبارها أول محاولة أمريكية لرسم ملامح الشرق الأوسط بعد التفاهم مع إيران، لا باعتبارها مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل باعتبارها بداية فصل جديد في قصة لم تُكتب نهايتها بعد.