حساب سعودي يثير غضب المغاربة بعد نشر علم المملكة بنجمة إسرائيلية.. مطالب بتحقيق عاجل

0
230
حين تتحول نجمة العلم إلى قضية سيادة.. لماذا يثير أي مساس بالرموز الوطنية كل هذا الغضب؟

ليست قطعة قماش ملوّنة، وليست مجرد تصميم يمكن استبداله أو تعديله بخطأ تقني. فالعلم بالنسبة للدول هو اختزال لتاريخ طويل من السيادة والهوية والشرعية السياسية، ولذلك فإن مجرد ظهوره بصورة خاطئة على منصة رقمية كفيل بإشعال موجة واسعة من الاستياء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستبدال أحد أهم عناصره المميزة. هذا ما حدث بعد تداول منشور منسوب إلى حساب يحمل اسم “أخبار السعودية”، أظهر العلم المغربي مصحوباً بنجمة تختلف عن النجمة الخماسية الخضراء المعروفة، وهو ما دفع عدداً من المغاربة إلى المطالبة بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

الواقعة، بصرف النظر عن خلفياتها، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من المنشور نفسه: لماذا تتحول الأخطاء المتعلقة بالأعلام الوطنية إلى أزمات دبلوماسية ورقمية؟ وهل يكفي الاعتذار إن كان الأمر مجرد خطأ، أم أن حماية الرموز الوطنية أصبحت جزءاً من الأمن السيادي للدول في العصر الرقمي؟

في المغرب، يحظى العلم الوطني بمكانة قانونية ورمزية خاصة، إذ يرتبط بالدولة وبالمؤسسة الملكية وبالهوية الوطنية. لذلك فإن أي إساءة متعمدة إليه قد تدخل ضمن الأفعال التي يعاقب عليها القانون المغربي في حالات محددة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإهانة العلنية أو التحقير أو الاستعمال المسيء للرموز الوطنية، مع مراعاة أن التكييف القانوني يختلف بحسب الوقائع والنية والاختصاص القضائي.

وفي المقابل، تولي المملكة العربية السعودية أيضاً أهمية كبيرة لحماية رموز الدول واحترامها، سواء من خلال الأنظمة المنظمة للإعلام والنشر الإلكتروني، أو عبر القواعد العامة التي تجرّم نشر المحتويات المسيئة أو المضللة إذا ترتب عنها الإضرار بالغير أو إثارة الفتن أو مخالفة الأنظمة النافذة. وإذا ثبت أن منشوراً يتضمن إساءة أو تزويراً لرمز سيادي لدولة أخرى، فإن السلطات المختصة تملك صلاحية فحص الواقعة واتخاذ ما تراه مناسباً وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

لكن قبل الانتقال إلى مرحلة الاتهام، يبقى السؤال المهني ضرورياً: هل كان الأمر ناتجاً عن خطأ في التصميم؟ أم استخدام قالب جاهز؟ أم تلاعب متعمد بالصورة؟ فالصحافة المهنية لا تبني استنتاجاتها على الانطباعات، وإنما على الوقائع المثبتة. ولهذا فإن فتح تحقيق تقني في مصدر الصورة وكيفية إنتاجها قد يكون أكثر أهمية من إطلاق الأحكام المسبقة، لأنه وحده الكفيل بتمييز الخطأ غير المقصود عن الفعل المتعمد.

وتكشف هذه الحادثة أيضاً عن تحدٍ جديد فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية والحسابات الإخبارية مطالبة بتدقيق بصري لا يقل أهمية عن تدقيق المعلومات. فخطأ صغير في رمز سيادي قد يخلق أزمة ثقة، ويؤثر في صورة المؤسسة، ويستدعي تفاعلات سياسية وقانونية لم تكن في الحسبان.

أما من الناحية الإنسانية، فإن ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن كثير من المغاربة لا يمكن فصلها عن العلاقة العاطفية التي تربط الشعوب بأعلامها الوطنية. فالعلم بالنسبة للمواطن ليس مجرد شعار رسمي، بل هو رمز للتضحيات والاستقلال والانتماء، ولذلك يُنظر إلى أي تشويه له باعتباره مساساً بالكرامة الوطنية قبل أن يكون مجرد خطأ في التصميم.

وفي الوقت نفسه، فإن العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع المغرب والمملكة العربية السعودية تجعل من الضروري معالجة مثل هذه الوقائع بروح المسؤولية والمؤسسات، بعيداً عن حملات التحريض أو التصعيد غير المبرر. فإذا ثبت وجود خطأ، فإن تصحيحه والاعتذار عنه يمثلان السلوك المهني الطبيعي، أما إذا أثبتت التحقيقات وجود تعمد، فإن الفصل في المسؤولية يبقى من اختصاص الجهات القضائية والإدارية المختصة.

في النهاية، لا تقاس قوة الدول فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية رموزها واحترام رموز الآخرين. ففي العصر الرقمي، قد تتحول نجمة مرسومة بخطأ أو بقصد إلى اختبار حقيقي لمدى احترام السيادة الوطنية، ولقدرة المؤسسات الإعلامية على الجمع بين سرعة النشر ودقة المسؤولية. والسؤال الذي يبقى مطروحاً ليس فقط: من غيّر نجمة العلم؟ بل كيف يمكن بناء فضاء إعلامي رقمي يجعل احترام الرموز الوطنية قاعدة مهنية وأخلاقية لا تقبل الخطأ ولا التساهل؟