هل أصبح المغرب حقل تجارب مفتوحاً للمدربين، في كرة القدم للرجال كما للنساء؟ يأتي مدرب بسيرة دولية كبيرة، يوقع عقداً بمبالغ مرتفعة، ويحصل إلى جانب أجره على تحفيزات وامتيازات، ثم حين تتعثر النتائج تبدأ قائمة التبريرات: الضغط، التوتر، الحالة النفسية للاعبين، الإصابات، الإرهاق أو سوء الحظ. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه التفسيرات هو: إذا كان المدرب يتقاضى أجراً كبيراً لأنه خبير وقادر على إيجاد الحلول، فمن يحاسبه عندما لا يجدها؟ ومن يتحمل مسؤولية المال الذي صُرف عليه؟ المدرب المحترف لا يُستقدم إلى المنتخب لكي يشرح أسباب الإخفاق بعد وقوعه، وإنما لكي يستعد له ويمنع تكراره. وعندما تصبح كل نتيجة سلبية قابلة للتفسير من دون أن تقابلها مسؤولية واضحة، فإن القضية تتجاوز كرة القدم لتصل إلى الحكامة والمحاسبة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بموارد كان يمكن أن تستفيد منها الرياضة الوطنية في التكوين والبنية التحتية وتطوير الأجيال الجديدة.
من هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة تجربة الإسباني خورخي فيلدا مع المنتخب الوطني النسوي. فالمغرب لم يتعاقد معه لأنه مدرب مجهول يبحث عن فرصة، وإنما لأنه جاء إلى المملكة بعد أسابيع من قيادته إسبانيا إلى التتويج بكأس العالم 2023. وقبل ذلك أمضى سنوات داخل منظومة المنتخبات الإسبانية للفئات السنية، وحقق معها ألقاباً أوروبية ووصل إلى النهائيات العالمية. كان اسمه، إذن، يحمل وعداً واضحاً: نقل خبرة مدرسة صنعت بطلة العالم إلى منتخب مغربي كان قد بدأ بالفعل في طرق أبواب النخبة.
وهنا تبدأ المفارقة. فيلدا لم يستلم منتخباً يحتاج إلى اكتشاف نفسه من جديد. رينالد بيدروس كان قد قاده إلى نهائي كأس إفريقيا 2022، ثم إلى كأس العالم 2023، حيث بلغ ثمن النهائي وحقق المغرب أول تأهل عربي إلى هذا الدور في تاريخ المونديال النسوي. لذلك كان التعاقد مع فيلدا يحمل رهانا أعلى من مجرد المحافظة على ما تحقق. كان المطلوب أن تأتي الخبرة الإسبانية بالقفزة التي تفصل المنتخب المنافس عن المنتخب المتوج.
لكن الحصيلة القارية لم تمنح هذه القفزة حتى الآن. في كأس إفريقيا 2024، التي أقيمت في المغرب سنة 2025، بلغ المنتخب النهائي للمرة الثانية توالياً، قبل أن يخسر أمام نيجيريا 3-2 بعدما كان متقدماً بهدفين. وفي نسخة 2026 توقف المشوار عند نصف النهائي أمام الكاميرون بركلات الترجيح، ثم خسر مباراة المركز الثالث أمام الجزائر بالطريقة نفسها، لينهي البطولة رابعاً. وبذلك بقي المغرب بعيداً عن اللقب، رغم أنه كان قد وصل إلى النهائي قبل وصول فيلدا، ثم وصل إليه مرة أخرى خلال فترته.
وهنا يجب أن يكون معيار الحكم دقيقاً. لا يمكن القول إن فيلدا فشل في إبقاء المنتخب ضمن كبار إفريقيا؛ النتائج تقول العكس. لكن الحفاظ على موقع منتخب في دائرة المنافسة ليس هو نفسه تطويره. المدرب الذي يرث فريقاً في بداية مشروعه يُقاس بقدرته على رفعه إلى مستوى جديد، أما من يستلم منتخباً بلغ بالفعل نهائي القارة وثمن نهائي كأس العالم، فيصبح السؤال مختلفاً: ماذا أضاف؟ هل رفع القدرة على حسم المباريات الكبرى؟ هل طور الأداء؟ هل أوجد حلولاً جديدة؟ وهل بدأ فعلياً في إعداد الجيل الذي سيحمل المنتخب بعد انتهاء مرحلة اللاعبات اللواتي صنعن الإنجاز التاريخي؟
تصفيات الألعاب الأولمبية في باريس قدمت بدورها إشارة لا يمكن تجاهلها. المغرب فاز على زامبيا ذهاباً بهدفين لواحد، لكنه خسر الإياب بهدفين دون رد وضاعت فرصة المشاركة في الأولمبياد. لا يمكن تحميل المدرب وحده مسؤولية كل إخفاق، لكن المباراة تدخل ضمن سلسلة من المحطات التي تجعل السؤال حول إدارة اللحظات الحاسمة مشروعاً، خصوصاً أن المنتخب كان وقتها يعيش زخماً كبيراً بعد إنجازه في كأس العالم.
والأكثر أهمية هو ما يحدث خلف النتائج. المغرب راكم مواهب في الفئات السنية وحقق حضوراً متقدماً في المنافسات الدولية، لكن الانتقال من منتخبات أقل من 17 و20 سنة إلى المنتخب الأول لا يزال يحتاج إلى مشروع أكثر وضوحاً. وهذه ليست مسؤولية فيلدا وحده، فهي مرتبطة بالأندية والإدارة التقنية والمنتخبات السنية، لكن مدرب المنتخب الأول يظل طرفاً رئيسياً في عملية الاختيار والإدماج. وإذا كان جزء من قيمة فيلدا المهنية يعود أصلاً إلى تجربته الطويلة في بناء المنتخبات الإسبانية، فمن الطبيعي أن يُسأل عن أثر تلك الخبرة في المغرب.
أما الحديث عن الراتب، فيحتاج إلى قدر من الدقة. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن حصول فيلدا على نحو 200 ألف يورو سنوياً، مقابل راتب قيل إنه كان في حدود 170 ألف يورو عندما كان مدرباً لإسبانيا. وهذه الأرقام ينبغي التعامل معها باعتبارها معطيات متداولة إعلامياً ما لم تنشر الجامعة تفاصيل العقد رسمياً. لكن جوهر المسألة لا يتوقف على الرقم وحده. كلما ارتفعت تكلفة التعاقد، ارتفعت معها ضرورة تحديد الأهداف وآليات التقييم والمساءلة. الأجر الكبير لا يصبح مشكلة عندما يقابله أداء كبير؛ المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقة غير متوازنة بين حجم الاستثمار وحجم الإضافة.
ومن الخطأ أيضاً تحويل فيلدا إلى شماعة لكل ما يحدث للمنتخب. الإصابات جزء من كرة القدم، والضغط النفسي موجود، والمباريات الكبرى تحمل هامشاً من عدم اليقين. لكن هذه العوامل لا يمكن أن تتحول إلى إجابات دائمة. فالمدرب الذي يتقاضى أجراً احترافياً يتقاضى في جزء أساسي منه مقابل الاستعداد لهذه الظروف وإيجاد البدائل وإدارة الضغط، لا مقابل سردها بعد انتهاء المباراة.
القضية، في النهاية، أكبر من خورخي فيلدا. إنها تتعلق بالطريقة التي تُدار بها كرة القدم الوطنية عندما تتحول الأسماء الكبيرة إلى عقود كبيرة، بينما تظل مسؤولية النتائج موزعة بين المدرب والجهاز واللاعبات والظروف، ولا يظهر بوضوح من يتحمل الحساب النهائي. الجمهور المغربي لا يملك حق معرفة كل تفاصيل العقود فقط، بل يملك حق معرفة الأهداف التي بُنيت عليها، وكيف تُقاس، وماذا يحدث عندما لا تتحقق.
فيلدا جاء إلى المغرب بطلاً للعالم، ونجح في إبقاء «لبؤات الأطلس» بين كبار القارة، وبلغ معهن نهائي إفريقيا ونصف النهائي، وضمن التأهل إلى كأس العالم 2027. لذلك لا يصح وصف تجربته بالفشل الكامل. لكن لا يصح أيضاً أن تُمنح صفة النجاح الكامل لمجرد استمرار المنتخب في الأدوار المتقدمة. فالمغرب كان قد وصل إلى تلك الأدوار قبل وصوله.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط: هل يستمر فيلدا أم يرحل؟ بل: من وضع أهداف العقد؟ من يقيس النتائج؟ ومن يحاسب عندما لا يتحقق الهدف؟ لأن المال الذي يُدفع في الرياضة الوطنية ليس رقماً معزولاً عن المجتمع، وكل درهم يُنفق على مشروع رياضي يفترض أن تكون له نتيجة قابلة للقياس. وإذا كانت التجارب ضرورية في كرة القدم، فإنها تصبح مكلفة وغير مقبولة عندما لا يكون هناك من يتحمل مسؤولية نتائجها. عندها لا يعود النقاش حول مدرب بعينه، وإنما حول منظومة كاملة تحتاج إلى أن تجيب بوضوح: من يحاسب من؟