ثمة تفاصيل صغيرة في السياسة لا تكشف قيمتها إلا عندما يتغير التوقيت. تسجيل قديم قد يظل سنوات في الأرشيف من دون أن يثير شيئاً، ثم يعود فجأة إلى الواجهة في اللحظة التي يصبح فيها صاحبه طرفاً أساسياً في معركة انتخابية جديدة. عندها لا يعود السؤال متعلقاً بالكلام وحده، بل بالسبب الذي جعل الكلام القديم مطلوباً الآن.
هذا هو المدخل الحقيقي إلى التسجيل المتداول لمحمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية. فالرجل لم يستيقظ اليوم على ماضٍ اكتُشف للمرة الأولى، والتسجيل، كما تكشف الوقائع السابقة، ليس مادة مجهولة خرجت من العدم. موضوع التزكيات، والتسجيلات الخاصة، والخصومات التي رافقت أوزين، سبق أن ظهر في محطات انتخابية سابقة، وعاد أكثر من مرة إلى التداول. الجديد هذه المرة هو أن أوزين يوجد في موقع مختلف، وأن البلاد تدخل الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
وهذا وحده كافٍ لكي يستحق توقيت إعادة النشر أن يُقرأ، لا باعتباره دليلاً على مؤامرة، وإنما باعتباره واقعة سياسية في حد ذاته.
القصة تعود، في أحد خيوطها الواضحة، إلى صيف 2015. آنذاك، وفي أجواء الانتخابات الجماعية، انتشر تسجيل صوتي لمكالمة بين أوزين وابن عمه رشيد أوزين، دار حول الترشح والتزكية في منطقة واد إفران. التسجيل خرج بسرعة من إطاره الخاص وتحول إلى مادة سياسية وإعلامية، وجرى تقديمه باعتباره دليلاً على تدخل أوزين في التزكيات. لكن أوزين قدم في المقابل رواية مختلفة تماماً، وقال إن الأمر يتعلق بمكالمة شخصية مع قريب طلب منه التدخل لمساعدته في الحصول على التزكية، وإنه نصحه بأن يأتي بأعيان وشيوخ المنطقة لتقديم طلبهم أمام الجهات الحزبية المختصة، متهماً خصوماً سياسيين باستغلال المكالمة وتسريبها في سياق انتخابي.
لم تكن تلك الواقعة هامشية في مسار أوزين. جاءت في فترة كان فيها الرجل أصلاً تحت ضغط سياسي وإعلامي شديد بسبب أزمة ملعب الأمير مولاي عبد الله، ثم غادر وزارة الشباب والرياضة في يناير 2015. ومع ذلك لم تنته مسيرته السياسية. عاد إلى البرلمان، واستمر داخل الحركة الشعبية، إلى أن انتُخب في نونبر 2022 أميناً عاماً للحزب، خلفاً لمحند العنصر.
هذه الوقائع مهمة لأنها تجعل من الصعب اختزال أوزين في تسجيل واحد، أياً كان تقييم المرء لما ورد فيه.
والأكثر دلالة أن الأرشيف الصحافي يقدم سابقة أخرى. ففي دجنبر 2014، نشرت هسبريس مادة حول فيديو ظهر فيه أوزين متحدثاً عن «الطابور الخامس». كان الفيديو قد انتشر بكثافة، وربطه متابعون بواقعة غرق أرضية ملعب مولاي عبد الله خلال كأس العالم للأندية. لكن هسبريس نقلت عن مصدر مسؤول في «ميدي1 تيفي» أن التصريح لم يكن متعلقاً بالواقعة التي ربطه بها المتداولون، وأن حديث أوزين عن «الطابور الخامس» سبق تلك الأحداث.
الأكثر أهمية في تلك المادة لم يكن فقط تصحيح تاريخ الفيديو وسياقه، وإنما السؤال الذي طرحته هسبريس نفسها آنذاك عن المستفيد من بثه في ظرف سياسي حساس. أي أن مسألة إخراج مادة قديمة من سياقها وإعادة وضعها داخل سياق سياسي جديد ليست قراءة اخترعت اليوم للدفاع عن أوزين. لها سابقة موثقة في أرشيف الصحافة المغربية.
وهذا ما يجعل العودة الحالية إلى التسجيل أكثر تعقيداً من مجرد إعادة نشر مقطع قديم.
ففي 2023، عاد أوزين بنفسه إلى التسجيل السابق في حوار مع هسبريس، وقال إنه تسجيل قديم يعود إلى أكثر من عشر سنوات، وإنه كان عبارة عن مكالمة مع ابن عمه الذي كان يريد الترشح للانتخابات. وشرح أن مضمون المكالمة، بحسب روايته، لم يكن يتضمن شراء ذمم أو استعمال المال العام، وإنما نقاشاً خاصاً حول الترشح والقدرة على خوض الانتخابات.
وفي غشت 2025، عاد موضوع التسجيل نفسه إلى الواجهة في سجال مع توفيق بوعشرين. أوزين انتقد طريقة تناول بوعشرين للتسجيل، وقال إن الأولى بالنسبة إلى صحافي ذي تجربة أن يتوقف عند مسألة تسريب مكالمة شخصية، بدلاً من التعامل مع حديث خاص ومقتطع باعتباره حكماً على صدقية سياسي.
هنا يصبح من الصعب القول إن الجمهور أمام اكتشاف جديد. الأرشيف موجود، وأوزين سبق أن تحدث عنه، والجدل حوله سبق أن خاضته الصحافة والسياسة قبل سنوات.
ما تغير هو موقع الرجل.
في 2015 كان أوزين وزيراً سابقاً يواجه واحدة من أصعب مراحل مساره. أما اليوم فهو الأمين العام لحزب سياسي يقود استعداداته للانتخابات، وقد دخلت الحركة الشعبية فعلياً مرحلة تقديم مرشحيها. ففي 19 غشت الجاري، كشف أوزين عن لائحة مرشحي الحزب بجهة فاس مكناس، أي قبل أيام قليلة من التاريخ الذي عاد فيه التسجيل إلى التداول.
وهذا يجعل التوقيت أكثر وضوحاً من أي تفسير جاهز.
نحن في 25 غشت. الترشيحات على الأبواب، والحملة الانتخابية تقترب، والحركة الشعبية تحاول تثبيت حضورها الانتخابي، وأمينها العام يتحرك ميدانياً ويعلن لوائح المرشحين. وفي مايو الماضي كان أوزين قد كثف لقاءاته التنظيمية والتواصلية استعداداً للاستحقاقات، متحدثاً في صفرو عن مواجهة «حملات التشويش» التي تستهدف الحزب وقيادته.
وفي هذا المناخ بالذات يعود كلام قديم حول التزكيات.
هل هذا يثبت أن جهة سياسية معينة تقف وراء إعادة نشره؟ لا.
لكن هل يجعل السؤال عن توقيت عودته مشروعاً؟ بالتأكيد.
والفارق بين الأمرين هو الفارق بين الصحافة والاستنتاج السياسي.
من حق أي جهة أن تنتقد أوزين، ومن حق أي صحافي أن يعيد نشر تسجيل قديم إذا رأى أنه ذو قيمة عامة. لكن من حق القارئ أيضاً أن يعرف عمر التسجيل وسياقه، وأن يعرف أن الحديث حوله ليس جديداً، وأن صاحبه سبق أن قدم روايته بشأنه، وأن الرجل الذي يظهر فيه ليس بالضرورة الرجل الذي يشغل اليوم الموقع التنظيمي نفسه داخل الحزب.
وهذه النقطة الأخيرة أساسية.
لا يمكن أخذ حديث سياسي قديم عن التزكية وإسقاطه آلياً على المسطرة الحزبية الحالية. ففي مارس 2026، قال أوزين إن قرار التزكيات لا يملكه شخصياً، وإن الاختصاص يعود إلى اللجنة المركزية للترشيحات. وفي المقابل، ظهرت خلال الأشهر الماضية تقارير صحافية تتهمه بالانفراد بتدبير الملف، وهي اتهامات سياسية وإعلامية لا ينبغي تحويلها إلى وقائع ثابتة من دون أدلة مستقلة.
هنا تحديداً ينبغي أن يتوقف أي اتهام جاد: إذا كان الحديث عن بيع التزكيات أو المتاجرة بها، فلابد من دليل على البيع، لا مجرد حديث عن التزكية. التسجيل قد يفتح باباً للنقاش حول طريقة إدارة العلاقات السياسية، لكنه لا يصبح بمفرده دليلاً على صفقة مالية لمجرد أن كلمة «التزكية» وردت فيه.
وهذا لا يعني أن أوزين فوق النقد. بالعكس، موقعه الحالي يجعله أكثر عرضة للمساءلة، لأن الأمين العام لحزب يخوض انتخابات يتحمل مسؤولية سياسية عن اختياراته، وعن الطريقة التي يشرح بها قراراته، وعن علاقته بالمرشحين وبقواعد الحزب.
لكن المساءلة شيء، وتحويل مادة قديمة إلى حكم نهائي شيء آخر.
ربما لهذا السبب تبدو مسيرة أوزين نفسها جزءاً من الرد.
الرجل خرج من الحكومة بعد أزمة كبيرة، وعاش سنوات من النقد السياسي والإعلامي، وواجه تسجيلاً مسرباً في خضم معركة انتخابية، ثم عاد إلى البرلمان، وواصل وجوده داخل الحركة الشعبية، قبل أن يصل إلى الأمانة العامة للحزب سنة 2022. هذا المسار لا يعني أنه لم يخطئ، ولا يمنحه حصانة من النقد، لكنه يقول شيئاً واضحاً عن قدرته السياسية على البقاء وإعادة بناء موقعه.
وفي السياسة، القدرة على العودة ليست تفصيلاً.
قد يسقط سياسي من منصب، لكن ذلك لا يعني أن مسيرته انتهت. وقد يواجه تسجيلًا أو حملة إعلامية، لكن الناخبين والحزب والمؤسسات هم الذين يقررون في النهاية إن كان ذلك كافياً لإنهاء مساره. أوزين مر من هذه الاختبارات كلها تقريباً، ووصل اليوم إلى موقع قيادة حزبية وطنية.
لهذا فإن محاولة اختزاله في دقائق من تسجيل قديم تبدو أقل إقناعاً من قراءة الرجل عبر مساره الكامل.
وهنا أيضاً تبرز المفارقة التي تجعل القصة تستحق أكثر من مجرد رد على فيديو.
في كل مرة يعود فيها التسجيل، يبدو أن المطلوب هو أن ينسى الجمهور الزمن الذي قيل فيه الكلام. أما الصحافة فوظيفتها عكس ذلك تماماً: إعادة الزمن إلى الكلام.
كان هناك سياق انتخابي في 2015.
كانت هناك خصومات.
كانت هناك روايات متعارضة.
وكان هناك تسجيل خاص خرج إلى المجال العام.
ثم مرت سنوات تغير فيها موقع أوزين نفسه.
واليوم، بينما يستعد الحزب لانتخابات جديدة، يعود الكلام القديم.
قد يكون ذلك مجرد إعادة تداول عفوية لمادة أرشيفية. وقد يكون جزءاً من صراع سياسي. وقد تكون هناك جهات تستثمره انتخابياً. لا نملك، حتى الآن، ما يكفي لتسمية جهة بعينها أو الجزم بدافع محدد.
لكننا نملك ما يكفي لرفض فكرة أن التسجيل ظهر اليوم وكأنه اكتشاف جديد.
وهذه نقطة جوهرية.
لأن الذي يتغير في مثل هذه الحالات ليس التسجيل، بل قيمته السياسية.
كلام كان يُقرأ في 2015 داخل صراع انتخابي، يمكن أن يعاد تقديمه في 2026 باعتباره دليلاً على شيء آخر. والشخص الذي كان آنذاك وزيراً أو قيادياً حزبياً يصبح اليوم أميناً عاماً يقود حزباً إلى الانتخابات. هكذا يتحول الأرشيف من ذاكرة إلى أداة في المنافسة.
لكن الأداة لا تصبح دليلاً بمجرد استخدامها.
إذا كان هناك من يريد إسقاط أوزين بهذا التسجيل، فعليه أن يثبت أكثر مما يثبته التسجيل نفسه. وإذا كان هناك من يريد الدفاع عنه، فعليه أيضاً ألا يحوله إلى شخصية معصومة من الخطأ.
الأقوى هو أن نترك الوقائع تقول ما تستطيع قوله.
التسجيل قديم.
موضوعه قديم.
الجدل حوله قديم.
أوزين سبق أن رد عليه.
وهناك سابقة صحافية موثقة لإعادة تداول مواد قديمة مرتبطة به داخل سياقات سياسية جديدة.
أما اليوم، فقد تغير موقعه، وتغيرت اللحظة، واقترب موعد الانتخابات.
لهذا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان محمد أوزين قد أصبح فجأة «فضيحة» بسبب تسجيل قديم. السؤال هو لماذا يحتاج المشهد الانتخابي، في هذه اللحظة بالذات، إلى إعادة فتح ملف استُهلك سياسياً وإعلامياً منذ سنوات.
قد يكون الجواب في التسجيل نفسه، وقد يكون في مكان آخر تماماً.
وفي انتظار ذلك، يبقى الشيء الأكثر ثباتاً في القصة هو أن أوزين لم يُصنع بهذا التسجيل، كما أنه لم يسقط به. لقد مر من عواصف سياسية وانتخابية وإعلامية، وخسر منصباً ثم عاد إلى البرلمان، قبل أن يصل إلى قيادة حزبه.
وهذا ليس تبرئة ولا مديحاً.
إنه ببساطة ما يقوله المسار.
أما الانتخابات المقبلة، فهي التي ستقدم الاختبار الحقيقي. هناك، لن يتكلم الأرشيف وحده. سيتكلم الناخب.