الطالبي العلمي يتوعد لقجع: «والله لا شاف وزارة المالية»… هل بدأت معركة الحكومة المقبلة قبل الانتخابات؟

0
110

حين بدأت معركة الحكومة قبل أن تفتح صناديق الاقتراع: الطالبي العلمي يضع «فيتو» على لقجع

في السياسة، لا تحتاج الانتخابات دائماً إلى انتظار يوم الاقتراع كي تبدأ معركة السلطة. أحياناً تظهر المعركة الحقيقية قبل ذلك بكثير، في حركة المرشحين بين الأحزاب، وفي الحسابات المتعلقة بالمرتبة التي قد يحتلها كل حزب، والأهم في النقاش المبكر حول من سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها.

التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، والذي جرى تداوله مساء الثلاثاء 25 غشت، يضع هذه الحقيقة في الواجهة.

الصوت المنسوب إلى رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار يتحدث، داخل اجتماع حزبي، عن فوزي لقجع بلهجة حاسمة، ويرفض، وفق مضمون التسجيل، أن يتولى حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة إذا كان للتجمع الوطني للأحرار موقع فيها. وتورد مصادر إعلامية نشرت التسجيل عبارة واضحة في هذا الاتجاه: «قول لو يقرب لوزارة المالية والله لا شافها».

لكن أهمية التسجيل لا تكمن في العبارة وحدها.

ما يجعله سياسياً هو التوقيت.

فلقجع لم يعد، في الأسابيع الأخيرة، مجرد وزير منتدب مكلف بالميزانية ورئيس للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فقد أصبح عضواً في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، وظهر إلى جانب قيادة الحزب في لقاءات انتخابية استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة. وفي 21 غشت، قدم من تاونات تصوراً عن «مغرب بسرعة واحدة» باعتباره أحد رهانات الحكومة المقبلة، في خطاب سياسي يتجاوز موقعه التقني في وزارة الميزانية.

هنا تتغير دلالة الصراع.

لم يعد الأمر متعلقاً فقط بانتقال شخصية وازنة من موقع سياسي إلى آخر، بل بما يمكن أن يترتب على هذا الانتقال إذا انعكس في نتائج الانتخابات وفي تركيبة الحكومة المقبلة.

من انتقال الأشخاص إلى إعادة توزيع القوة

التجمع الوطني للأحرار عقد مكتبه السياسي، في اليوم نفسه، اجتماعاً برئاسة محمد شوكي، وأصدر بلاغاً شديد اللهجة حول ما وصفه بـ«استمالات وضغوط» تعرض لها برلمانيون ومنتخبون ومسؤولون ترابيون تابعون للحزب من طرف الأصالة والمعاصرة.

الحزب لم يقدم هذه التطورات باعتبارها حالات فردية. بل قال إن تواترها وامتدادها إلى عضو بالمكتب السياسي نفسه يجعلها، من وجهة نظره، قضية تتجاوز الانتقال السياسي العادي وتمس قواعد العلاقة بين الأحزاب. كما سمّى عدداً من الأسماء التي قال إن بعضها سبق أن أُعلن عن ترشيحه باسم الأحرار، بينما لا يزال بعضها يمارس مهاماً انتدابية باسم الحزب.

وبذلك يصبح التسجيل جزءاً من سياق سياسي قائم بالفعل، وليس واقعة منفصلة ظهرت من فراغ.

فالأحرار يتحدث رسمياً عن استقطاب منتخبيه، فيما يظهر في التسجيل صوت قيادي بارز في الحزب وهو يهاجم الطريقة التي يستقطب بها «البام» شخصيات سياسية من خارج صفوفه، ويقارنها، في إحدى العبارات، باستقدام لاعبين من خارج الفريق.

المفارقة أن هذه المعركة تجري بين حزبين يجمعهما اليوم موقع واحد داخل الأغلبية الحكومية، لكنهما يستعدان في الوقت نفسه لخوض انتخابات يفترض أن تعيد ترتيب موازين القوة بينهما.

وهذا هو جوهر القصة.

الأغلبية الحالية ليست بالضرورة أغلبية الغد.

لقجع هو الاسم الظاهر، لكن الصراع أكبر منه

من السهل اختزال التسجيل في خلاف شخصي بين رشيد الطالبي العلمي وفوزي لقجع. غير أن الوقائع المحيطة به تجعل القراءة أوسع.

لقجع دخل إلى المكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، وبدأ يظهر في أنشطة الحزب الميدانية والانتخابية. وفي المقابل، يواجه التجمع الوطني للأحرار موجة انتقالات واستقطابات يقول إنها تستهدف مرشحيه ومنتخبيه.

لذلك، عندما يتحدث الطالبي العلمي عن حقيبة المالية، فهو لا يتحدث فقط عن حقيبة وزارية.

وزارة الاقتصاد والمالية واحدة من أكثر مواقع القرار حساسية داخل أي حكومة. ومن يشغلها لا يكون مجرد عضو في الجهاز التنفيذي، بل طرفاً رئيسياً في تحديد الأولويات المالية، والميزانية، والسياسات الاقتصادية، والعلاقة بين الحكومة وباقي مؤسسات الدولة.

والتسجيل، إذا ثبتت نسبته وسياقه كما يتم تداوله، يكشف أن النقاش حول هذه المواقع بدأ قبل معرفة نتائج الانتخابات.

الأكثر دلالة أن ما نشرته بعض المصادر عن التسجيل يتضمن أيضاً حديثاً عن سيناريو حصول التجمع على المرتبة الثانية، وعن استمرار نادية فتاح على رأس وزارة المالية في هذه الحالة.

هذه ليست نتيجة انتخابية. إنها حسابات سياسية مسبقة حول نتائج لم تقع بعد.

وهنا تكمن إحدى أهم إشارات التسجيل: الأحزاب لا تتحرك فقط على أساس ما تريد أن تحققه في صناديق الاقتراع، بل بدأت أيضاً في رسم خرائط لما يمكن أن يحدث بعدها.

من يقرر أسماء الوزراء؟

التسجيل يفتح، في الوقت نفسه، سؤالاً مؤسساتياً لا يمكن تجاهله.

حين يقول قيادي حزبي إن شخصاً «لن يرى» حقيبة وزارية معينة، فإن العبارة، سياسياً، تحمل رسالة أكثر من كونها قراراً فعلياً. فالتعيين الحكومي لا تحسمه رغبة مسؤول حزبي منفرد، ولا تحدده نتائج الانتخابات وحدها، وإنما يدخل في إطار المؤسسات والقواعد الدستورية والسياسية التي تنظم تشكيل الحكومة.

لذلك لا ينبغي التعامل مع عبارة الطالبي العلمي باعتبارها قراراً رسمياً بشأن مستقبل لقجع الوزاري.

لكنها مهمة بوصفها مؤشراً على وجود حساب سياسي داخل أحد أطراف المشهد الحكومي تجاه موقع لقجع المحتمل في المرحلة المقبلة.

وهذا فرق أساسي بين الخبر والتحليل.

فالخبر هو أن تسجيلاً نُسب إلى الطالبي العلمي يتضمن رفضاً لاستوزار لقجع في المالية.

أما ما يمكن استنتاجه بحذر، فهو أن انتقال لقجع إلى «البام» لم يعد يُقرأ داخل المنافسة الانتخابية باعتباره تغييراً حزبياً عادياً، بل باعتباره انتقالاً يمكن أن تكون له تبعات على توازنات الحكومة المقبلة.

ما الذي تغيّر فعلاً؟

قبل أسابيع فقط، كان لقجع جزءاً من الجهاز التنفيذي الذي يقوده عزيز أخنوش، وكان الطالبي العلمي رئيساً لمجلس النواب وقيادياً في الحزب نفسه الذي يقود الحكومة.

أما الآن، فقد أصبح لقجع جزءاً من القيادة السياسية لحزب ينافس الأحرار على الموقع الانتخابي والنفوذ داخل الأغلبية المقبلة.

وفي الوقت نفسه، دخل «البام» الانتخابات وهو يحمل شخصية ذات حضور واسع داخل الدولة والمجتمع والرياضة والمالية.

هذه التحولات تجعل الصراع أكثر تعقيداً من مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية.

إنها منافسة على من سيملك القدرة على التفاوض بعد ظهور النتائج.

وهنا يصبح الحديث عن «المرتبة الأولى» مهماً، لكن ليس بالمعنى الذي قد يوحي به العنوان المتداول حول التسجيل.

فالانتخابات لا تمنح أي حزب، مسبقاً، حق توزيع الحقائب. وحتى المرتبة الأولى لا تعني أن كل شيء حُسم. لكن حجم القوة الانتخابية سيكون عاملاً أساسياً في تشكيل التوازنات والتحالفات والمفاوضات التي ستأتي بعدها.

ولهذا فإن الحديث المبكر عن وزارة المالية، وعن من يمكن أن يتولاها، يكشف أن بعض الحسابات السياسية بدأت تتحرك قبل أن يعرف أحد حجم التفويض الذي سيمنحه الناخبون.

المعركة الحقيقية قد تكون على ما بعد الانتخابات

المثير في تطورات 25 غشت أن الخطاب الرسمي للأحرار والتسجيل الصوتي يلتقيان عند نقطة واحدة، حتى وإن اختلفت اللغة.

الحزب يقول إن «البام» يستقطب منتخبيه، ويعتبر أن الانتخابات يجب أن تكون تنافساً بين البرامج لا سباقاً على الأشخاص. وفي التسجيل، ينتقد الطالبي العلمي بدوره استقطاب شخصيات سياسية من خارج الحزب.

لكن الوقائع تقول إن استقطاب الوجوه أصبح بالفعل جزءاً من المعركة الانتخابية الحالية، وأن الطرفين يتعاملان معه كأداة لإعادة بناء القوة قبل الاقتراع.

وهذا يعيد النقاش إلى مسألة أعمق: هل تتحول الانتخابات المقبلة إلى منافسة بين المشاريع والبرامج، أم إلى سباق لإعادة تشكيل الخريطة الحزبية قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع؟

السؤال لا يخص الأحرار و«البام» وحدهما.

فكل انتقال سياسي كبير قبل الانتخابات يغيّر حسابات المرشحين، ويؤثر في التحالفات المحلية، ويعيد ترتيب فرص الفوز، وقد ينعكس لاحقاً على شكل الأغلبية.

وفي هذه الحالة تحديداً، فإن انتقال لقجع منح الصراع اسماً ووجهاً واضحين.

التسجيل لم يحسم شيئاً… لكنه كشف الكثير

حتى الآن، لا يوجد في المصادر التي راجعتها تحقق تقني مستقل من أصالة الملف الصوتي نفسه. ما هو ثابت أن التسجيل نُشر وتناولته عدة وسائل إعلام في اليوم ذاته، وأن مضمونه يتطابق في خطوطه الأساسية مع سياق سياسي كان قائماً بالفعل داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بشأن انتقالات واستقطابات نسبت إلى الأصالة والمعاصرة.

لذلك لا يصح تحويل التسجيل إلى «قرار» أو إلى دليل على ما ستؤول إليه الحكومة المقبلة.

لكن تجاهله باعتباره مجرد تسريب سيكون أيضاً قراءة ناقصة.

فالتسجيل، إذا ثبتت نسبته كما يتداول، يكشف أن المعركة على الحكومة المقبلة بدأت تُناقش من الآن، وأن حقيبة مثل المالية يمكن أن تصبح جزءاً من التفاوض السياسي قبل أن تتحدد نتائج الانتخابات.

وفي النهاية، لن يكون الطالبي العلمي هو من يقرر من يحتل المرتبة الأولى، ولن يكون لقجع هو من يحدد وحده شكل الحكومة المقبلة.

هناك ناخبون، ونتائج، وتحالفات، ومؤسسات، وتوازنات سياسية ستظهر بعد ذلك.

لكن ما كشفه يوم 25 غشت هو أن الأحزاب بدأت بالفعل تتصرف وكأن مرحلة ما بعد الانتخابات أصبحت قريبة بما يكفي لبدء توزيع مواقع القوة داخلها.

وهنا يصبح التسجيل أقل أهمية باعتباره «فضيحة صوتية»، وأكثر أهمية باعتباره نافذة صغيرة انفتحت فجأة على غرفة المفاوضات التي عادة لا يراها الناخب إلا بعد ظهور النتائج.