Le groupe parlementaire du PSOE applaudit tandis que la deuxième vice-présidente et ministre du Travail et de l'Économie sociale, Yolanda Diaz, reste assise lors d'une séance plénière du Congrès des députés, le 3 septembre 2026 à Madrid, en Espagne. [Photo : Fernando Sanchez/Europa Press via Getty Images]
لم يحتج بيدرو سانشيز إلى كثير من الوقت ليرد على سانتياغو أباسكال. سؤال زعيم حزب «فوكس» عن احتمال تعرض الحكومة الإسبانية لـ«ابتزاز» من جانب المغرب، بسبب معلومات قال إن الرباط تمتلكها عن رئيس الحكومة، انتهى بمواجهة سياسية مباشرة داخل البرلمان، لم يدافع فيها سانشيز عن نفسه فقط، بل نقل الهجوم إلى الطرف الآخر.
نفى رئيس الحكومة الإسبانية بشكل صريح أن يكون قد تعرض لأي ابتزاز من المغرب، معتبراً أن الاتهام لا يستند إلى ما يثبته. ثم خاطب أباسكال بلغة أكثر حدة، قائلاً له، في جوهر رده، إن الذي يضع نفسه داخل طوق الولايات المتحدة وإسرائيل هو زعيم «فوكس» نفسه، وإنه قد يقبل بأن يكون تابعاً لأي جهة.
بهذه الطريقة، خرج المغرب من موقع المتهم الذي حاول أباسكال تثبيته في النقاش، إلى عنصر في معركة سياسية إسبانية أوسع حول علاقة مدريد بالرباط وبالقوى الدولية.
لكن أهمية المواجهة لا تتوقف عند عبارتي «الابتزاز» و«التبعية». فسانشيز كان قد اختار، خلال الأيام الماضية، موقفاً أكثر تحديداً في قضية سبتة: أجهزة الأمن الإسبانية ومركز الاستخبارات الوطني، وفق ما أعلن، لم تتوصل إلى معلومات تثبت مشاركة السلطات المغربية «بأي شكل» في موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة.
هذا التصريح لم يكن عابراً. فالاتهام بأن المغرب استخدم الهجرة للضغط على إسبانيا ليس جديداً في النقاش السياسي الإسباني، خصوصاً كلما ارتفع منسوب التوتر حول سبتة ومليلية. غير أن المشكلة هذه المرة أن الحكومة نفسها تقول إنها لم تجد دليلاً استخباراتياً يؤيد هذه الرواية.
والأهم أن سانشيز لم يربط ذلك بالتقليل من أهمية المغرب، بل فعل العكس تماماً. فقد شدد على أن التعاون مع الرباط، خصوصاً في مجال الهجرة، يبقى ضرورياً لمعالجة الوضع، محذراً من أن غيابه سيجعل الأزمة أكثر تعقيداً.
في السياسة، الفارق مهم بين القول إن المغرب حليف ضروري لإسبانيا وبين القول إنه لا علاقة له بما وقع في سبتة. الأول موقف استراتيجي، والثاني حكم على واقعة محددة. والحكومة الإسبانية تحاول، في تصريحات سانشيز، إبقاء الاثنين منفصلين.
ثم ظهرت رواية أخرى لتفسير ما حدث.
سانشيز تحدث عن المعلومات المضللة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وقال إن هناك مؤشرات على مشاركة روسيا وإسرائيل في نشر أو تضخيم روايات مرتبطة بسياسة الهجرة الإسبانية، بما ساهم، بحسب الرواية الحكومية، في خلق اعتقاد لدى آلاف الأشخاص بأن الوصول إلى سبتة يمكن أن يسمح لهم بالبقاء في إسبانيا.
لاحقاً، ذهبت الحكومة الإسبانية أبعد من مجرد الحديث عن «إشاعات» على الإنترنت، عندما تحدثت عن امتلاكها أدلة على قيام منتديات رقمية مرتبطة بروسيا وإسرائيل بتضخيم ما حدث في سبتة، في اتجاه قالت إنه يخدم الاستقطاب ويزيد الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي.
لكن هذه الرواية لم تمر من دون رد.
موسكو طالبت مدريد بتقديم أدلة على الاتهامات المتعلقة بدور روسي في حملة التضليل، فيما رفض وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تصريحات سانشيز بشأن الدور الإسرائيلي، واعتبرها اتهامات غير صحيحة، متهماً رئيس الحكومة الإسبانية بنشر معلومات مضللة.
هكذا أصبحت أزمة سبتة تحمل أكثر من رواية في الوقت نفسه: رواية تتهم المغرب، وأخرى تتحدث عن تضليل رقمي، وثالثة تربط هذا التضليل بجهات روسية وإسرائيلية، في حين تنفي الأطراف التي جرى ذكرها الاتهامات.
وسط هذا التشابك، بقيت الأرقام نفسها تفرض حضورها.
سانشيز قال إن نحو 70 ألف شخص وصلوا إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز، وإن حوالي 90 في المائة ممن دخلوا عادوا إلى المغرب خلال الأيام التالية، بينما بقي نحو خمسة آلاف شخص في المدينة وفق التقديرات التي أعلنها رئيس الحكومة الإسبانية، واستمرت بعد ذلك عمليات العودة الطوعية.
هذه الأرقام تجعل من الصعب التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد واقعة عابرة على الحدود. لكنها لا تجيب، في حد ذاتها، عن السؤال المتعلق بمن أطلق موجة المعلومات التي دفعت الناس إلى التحرك، ولا تثبت تورط طرف بعينه في تنظيمها أو تسهيلها.
وهنا تحديداً تبدو قيمة موقف الحكومة الإسبانية أكثر من مجرد نفي سياسي للمغرب.
فوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس تحدث عن المعلومات المضللة باعتبارها «المحفز المباشر» للموجة، مع إقراره بالتعقيد الاستثنائي للحدود بين سبتة والمغرب. أما سانشيز فذهب إلى الحديث عن مؤشرات على أدوار خارجية في تضخيم تلك المعلومات، قبل أن تواجه حكومته مطالب بتقديم الأدلة، ونفياً روسياً وإسرائيلياً.
في المقابل، اختار أباسكال تفسيراً مختلفاً تماماً: المغرب يضغط، والحكومة الإسبانية، بحسب خطابه، ذهبت بعيداً في علاقتها مع الرباط إلى درجة جعلت إسبانيا تبدو وكأنها «محميّة مغربية».
ذلك الخطاب يخدم بوضوح موقع «فوكس» في السياسة الإسبانية، حيث تشكل قضايا الهجرة والسيادة على سبتة ومليلية والعلاقة مع المغرب جزءاً ثابتاً من خطابه السياسي. لكن تحويل هذا الخطاب إلى واقعة مثبتة يحتاج إلى شيء لم تقدمه المواجهة البرلمانية: دليل على أن المغرب استخدم بالفعل موجة العبور للضغط على مدريد، أو أن الحكومة الإسبانية تعرضت لابتزاز يستند إلى معلومات سرية.
سانشيز لم يقدم هذا الدليل لأنه لم يوجه الاتهام إلى المغرب أصلاً. بل إن جوهر رده كان أن الاتهام غير ثابت.
وهذا يترك قضية سبتة في منطقة أكثر تعقيداً من الثنائية التي يحاول بعض الخطاب السياسي الإسباني فرضها: إما أن المغرب وراء ما حدث، أو أن الحكومة الإسبانية عاجزة عن تفسيره.
حتى الآن، ما أعلنته مدريد يقدم تفسيراً مختلفاً، لكنه لا يغلق الملف. المعلومات المضللة يمكن أن تكون عاملاً حاسماً في دفع الناس إلى الحدود، لكنها لا تشرح وحدها كل ما جرى ميدانياً، كما أن الحديث عن منصات أو منتديات مرتبطة بروسيا أو إسرائيل يحتاج، مثل الاتهام الموجه إلى المغرب، إلى أدلة قابلة للفحص.
أما المواجهة بين سانشيز وأباسكال، فقد كشفت شيئاً آخر: سبتة لم تعد مجرد ملف حدودي بين إسبانيا والمغرب. إنها أيضاً مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني، تُستدعى فيها الهجرة والسيادة والعلاقة مع الرباط، وتُحمّل فيها كل موجة توتر معنى يتجاوز ما يمكن إثباته على الأرض.
لذلك فإن أكثر ما يستحق المتابعة الآن ليس فقط ما يقوله أباسكال عن المغرب، ولا رد سانشيز عليه، وإنما الأدلة التي ستظهر لتفسير ما حدث فعلاً في 30 و31 يوليوز: من أين بدأت المعلومات، كيف انتشرت، من ضخّمها، ولماذا وصلت في ذلك التوقيت إلى هذا العدد الكبير من الأشخاص.
هناك فرق كبير بين اتهام سياسي يُقال داخل البرلمان، وبين واقعة تستطيع أجهزة الدولة إثباتها. وحتى الآن، هذا الفرق هو الذي يفصل بين الروايات المتنافسة حول سبتة.