لم ينتظر عبد الإله بنكيران كثيراً قبل أن يحدد موقع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة. في المهرجان الوطني الذي نظمه الحزب اليوم السبت بالرباط لإطلاق حملته الانتخابية، عاد الأمين العام إلى السنوات الخمس الماضية لا باعتبارها مرحلة انتهت، وإنما باعتبارها المادة الأساسية التي يريد الحزب أن يبني عليها عودته إلى البرلمان.
بنكيران وضع حكومة عزيز أخنوش وبقية مكونات الائتلاف الحكومي في مواجهة مباشرة مع الحزب، مستخدماً مفردات ثقيلة حين تحدث عن طريقة تدبير الدولة والمال العام. قال إن «أبرز ما طبع هذه المرحلة» هو أن المسؤولين لم يصلوا إلى مواقع المسؤولية بمنطق حل المشاكل، وإنما تعاملوا، حسب تعبيره، مع المجال وكأنه أصبح مفتوحاً أمامهم لـ«افتراس أموال الدولة والمجتمع» والاستفادة منها هم وأقاربهم ومن ينتمون إليهم سياسياً.
هذه ليست ملاحظة عابرة في خطاب انتخابي. بنكيران اختار أن يجعل طريقة الوصول إلى السلطة جزءاً من تفسيره لما حدث بعدها. وقال إن الإشكال يبدأ من «المقاربة التي يعتمدها المسؤول قبل وصوله إلى السلطة»، قبل أن يعدد مواقع القرار التي قال إن أصحاب هذه العقلية عرفوا كيف يصلون إليها، من البرلمان والحكومة إلى المجالس الجماعية والسفارات وغيرها.
وعندما انتقل إلى وضع حزبه، بدت الصورة التي يقدمها أكثر ارتباطاً بمسار السنوات الخمس الماضية. تحدث عن محاولة لإسقاط العدالة والتنمية، وعن نتيجة انتخابات جعلت الحزب ينتهي إلى 13 نائباً ونائبة، في الوقت الذي آلت فيه مختلف المسؤوليات إلى خصومه. ومن هذه النقطة بنى بنكيران تفسيره لما يعتبره عودة للحزب: خصومه، وفق روايته، اعتقدوا أن الحزب انتهى، وأن أقصى ما ينتظره هو الهامش أو الاختفاء النهائي.
ثم جاءت عبارته الأكثر ارتباطاً بالهوية السياسية للحزب: «إن الذي أحيا الحزب هو الله»، قبل أن يضيف أن «حزب العدالة والتنمية عاد من جديد».
العودة التي يتحدث عنها بنكيران لم تأتِ، بحسب عرضه، من قوة تنظيمية استثنائية طوال السنوات الخمس الماضية. على العكس، تحدث عن فترة طويلة من الصعوبات، بدأت باستقالة القيادة السابقة وانتخاب قيادة جديدة تضم قدامى وأسماء جديدة، واستمرت مع ما وصفه بحالة تعافٍ تدريجي أصابت الحزب وأعضاءه. حتى الحضور في بعض المناسبات، كما أقر، كان محدوداً للغاية بسبب حالة اليأس التي أصابت عدداً من المناضلين.
لكن الحزب وجد، في قراءته، عاملاً خارجياً ساعده على استعادة توازنه: أداء الحكومة نفسها.
بنكيران قال صراحة إن «التصرفات السيئة» للحكومة منحت العدالة والتنمية فرصة للنهوض من جديد. وأضاف أن الحزب ربما لم يكن ليستطيع العودة لو وجد أمامه حكومة «تحكم بالعدل والمنطق» وتضع مصلحة المجتمع في مقدمة أولوياتها. وحتى السؤال الذي طرحه عن قدرة الحزب على العمل بمجموعة نيابية محدودة العدد جاء مرتبطاً بهذه الفكرة: ما ارتكبته الحكومة من «مخالفات»، بحسب تعبيره، وفر للحزب مساحة سياسية لم تكن متاحة له في بداية المرحلة.
هذه النقطة مهمة في فهم الحملة الحالية أكثر من حجم الحضور الانتخابي الذي يمكن أن يحققه الحزب في 23 شتنبر. بنكيران لا يقدم العدالة والتنمية باعتباره حزباً عاد إلى قوته القديمة، وإنما باعتباره حزباً ظل موجوداً رغم الانكسار، ثم وجد في حصيلة الولاية الحكومية مادة لإعادة تقديم نفسه أمام الناخبين.
لذلك لم يتعامل مع عدد المقاعد باعتباره القضية الأساسية. قال إن الحزب، سواء كان صغيراً أو كبيراً، لم يدخل الحياة السياسية من أجل الصمت أو الحصول على المقابل، ولم يأت ليشاهد الفساد والظلم ويغض الطرف عنهما. الرسالة هنا موجهة أيضاً إلى قواعد الحزب: تقليص الحضور البرلماني لم يغيّر، في تصور قيادته، الوظيفة التي يريد الحزب أن يؤديها.
إدريس الأزمي، نائب الأمين العام، أخذ الخطاب في اتجاه أكثر ارتباطاً بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي وبالوعود الانتخابية التي بدأت تظهر مع اقتراب موعد الاقتراع.
تحدث عن ضرورة الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية والاجتماعية، وعن السيادة الاقتصادية والمالية والاستقرار الاجتماعي واستدامة النموذج التنموي. وربط الانتخابات بمسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي إحدى النقاط التي حاول الحزب جعلها جزءاً من صورته السياسية الجديدة.
لكن الهجوم الأكثر مباشرة جاء عندما تحدث عن الوعود التي تطلقها أحزاب التحالف الحكومي في اللحظات الأخيرة. الأزمي توقف عند وعد خلق مليون منصب شغل وخفض معدلات البطالة، واعتبر أن هذه الوعود دخلت في «سوق من المزايدات». واستحضر برنامج «فرصة» قائلاً إنه فشل وتحول، بتعبيره، إلى «غصة».
وهو بذلك لا يكتفي بمهاجمة حصيلة الحكومة، بل يحاول وضع الوعود الجديدة التي سترافق الحملة الانتخابية تحت الاختبار، مستنداً إلى ما يعتبره الحزب تجربة فعلية خلال الولاية المنتهية.
الأزمي هاجم أيضاً رئيس الحكومة على خلفية تعهداته تجاه المواطنين والمهنيين، واستشهد بما وقع مع المحامين مؤخراً، معتبراً أن ذلك أدخل البلاد في أزمة غير مسبوقة ما تزال مستمرة، وأن الحقوق تضيع والمواطنين يعانون. وفي النهاية وضع الناخب أمام الاختيار بين «مشروعين متناقضين»، على حد تعبيره، وقال إن المواطنين عايشوا تطبيقاتهما خلال السنوات الماضية.
لكن الحزب لم يكتفِ بتقديم نفسه كطرف معارض للحكومة. الأزمي حاول أيضاً تحديد صورة المشروع الذي يريد العدالة والتنمية أن يعرضه على الناخبين: مشروع إصلاحي وتنموي يجعل خدمة المصالح العليا للوطن والمصالح المشروعة للمواطنين وكرامتهم والدفاع عن الثوابت الوطنية وحماية الأسرة والمجتمع والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد والريع، أساساً لتدبير الشأن العام.
في الجهة المقابلة وضع ما وصفه بـ«مشروع ذي توجه تحكمي وسلطوي»، وقال إن له «خلفية أيديولوجية هجينة» تستهدف الأسرة والمنظومة الثقافية والتربوية، إلى جانب «نزعة ليبرالية متوحشة وافتراسية». وربط ذلك، في خطابه، بتضارب المصالح والريع والفساد واستغلال مواقع النفوذ لتحقيق المصالح الخاصة غير المشروعة.
هذه أوصاف سياسية صادرة عن قيادة حزب يخوض الانتخابات ضد أحزاب الحكومة، ولذلك تبقى جزءاً من خطاب الحملة وليست، في حد ذاتها، أحكاماً قضائية أو نتائج تحقيقات. لكن أهميتها انتخابياً أنها تكشف بوضوح المعركة التي يريد «البيجيدي» خوضها: تحويل تقييم السنوات الخمس إلى اختبار سياسي بين تجربتين، لا إلى منافسة عادية على المقاعد.
الأزمي ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن نتائج المرحلة في المجتمع، رابطاً إياها بالاضطرابات والاحتجاجات وانعدام الثقة، ومعتبراً أن النموذج الذي ينتقده خدم فئة محدودة ومحظوظة على حساب الطبقتين المتوسطة والصغرى والمقاولات الصغرى والمتوسطة.
ولم يترك الإشارة إلى الأحزاب المنافسة عامة. عندما تحدث عن من يرفعون اليوم شعار «من أجل تغيير المسار»، اعتبره «شعاراً فارغاً»، في إشارة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات التحالف الحكومي.
في المهرجان نفسه ظهر عنصر آخر لا يقل أهمية عن الخطاب الهجومي: «ميثاق المنتخب للعدالة والتنمية».
مرشحات ومرشحو الحزب وقعوا على وثيقة تقدم باعتبارها تعاقداً بينهم وبين الحزب، وتحدد طبيعة العلاقة مع المنتخبين في مجلس النواب وفق الأنظمة والمساطر الداخلية، وتربط تحمل المسؤولية بالمساءلة، مع الالتزام بقيم الأمانة والنزاهة والشفافية.
التوقيع الرمزي تم نيابة عن مختلف الوكيلات والوكلاء من طرف إدريس الأزمي، إلى جانب فاطمة والشاي، وكيلة اللائحة الجهوية بجهة الدار البيضاء ـ سطات، التي تخوض تجربتها الانتخابية الأولى مع الحزب.
وهذا التفصيل يعطي الحملة بعداً آخر. فالحزب الذي يتحدث عن الفساد والريع وربط المسؤولية بالمحاسبة لا يريد أن يكتفي بالهجوم على الحكومة، بل يحاول تقديم قواعد داخلية يقول إنها ستضبط أداء منتخبيه إذا عادوا إلى البرلمان.
ما سيحدث بعد ذلك لن يتوقف على قدرة بنكيران على رفع سقف الخطاب، ولا على قدرة الأزمي على تفكيك وعود الحكومة. الانتخابات ستضع هذه الرواية أمام الناخبين، كما ستضع الحزب نفسه أمام اختبار مختلف: هل تحولت السنوات الخمس التي قضاها خارج مركز القرار فعلاً إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، أم أن الغضب من حصيلة الحكومة هو الذي يمنحه اليوم المساحة التي يبحث عنها؟
الحملة بدأت، والعدالة والتنمية اختار منذ مهرجانه الأول أن يدخلها من الباب الذي يعرفه جيداً: مساءلة السلطة، ومخاطبة قواعده، وتذكير الناخبين بأنه ما زال موجوداً. أما وزن هذه الرسالة في صناديق الاقتراع، فستحدده الأيام المقبلة أكثر مما تحدده منصة المهرجان.