الدجاج يفضح اختلالات السوق المغربية: حين يربح السماسرة ويخسر المربون والمستهلكون معاً

0
99

حين يتحول الدجاج إلى مرآة للاقتصاد المغربي: من يدفع ثمن فوضى السوق بين المضارب والمربي والمستهلك؟

لم يعد الحديث عن أسعار الدجاج في المغرب مجرد نقاش عابر حول مادة غذائية تستهلك يوميا داخل ملايين البيوت، بل تحول إلى عنوان مكثف لأزمة أعمق تمس طريقة تنظيم الأسواق وعلاقة الإنتاج بالاستهلاك وحدود تدخل الدولة في ضبط التوازنات الاقتصادية. فبين مربي يشتكون من الخسائر المتراكمة، وموزعين يتحدثون عن فائض غير مسبوق في العرض، ومستهلكين أنهكتهم موجات الغلاء المتلاحقة، تبدو أزمة الدواجن الحالية وكأنها قصة مصغرة عن اختلالات أكبر يعيشها الاقتصاد المغربي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية مع التحديات الاقتصادية.

في الظاهر، تبدو الصورة متناقضة. فقبل أشهر قليلة فقط كان المواطن المغربي يشتكي من أسعار الدجاج التي تجاوزت مستويات اعتبرها كثيرون غير منطقية مقارنة بالقدرة الشرائية للأسر، بينما يجد المربون أنفسهم اليوم أمام انهيار في الأسعار يهدد استمرارية نشاطهم. لكن خلف هذا التناقض الظاهري تكمن حقيقة اقتصادية معروفة: الأسواق التي تفتقد إلى آليات دقيقة للتخطيط والتوقع غالبا ما تنتقل بسرعة من أزمة نقص إلى أزمة فائض، ومن ارتفاع مفرط للأسعار إلى انهيار حاد فيها، دون أن يستفيد المستهلك أو المنتج بشكل مستدام.

اللافت في الأزمة الحالية أن المهنيين ينفون وجود تراجع جوهري في استهلاك الدجاج، مؤكدين أن الموزعين يشتغلون بطاقات تفوق قدراتهم المعتادة، وأن الأسواق ما زالت تستقبل الطلب بشكل طبيعي. غير أن هذا التفسير، وإن كان يحمل جزءا من الحقيقة، لا يلغي عاملا أساسيا يتمثل في تراجع القدرة الشرائية للمواطن المغربي. فالاستهلاك لا يقاس فقط بالرغبة في الشراء، بل أيضا بالقدرة الفعلية على الإنفاق. وبينما استنزفت مصاريف المعيشة والارتفاعات المتتالية في أسعار المواد الأساسية ميزانيات الأسر، جاءت تكاليف عيد الأضحى وما رافقها من أعباء مالية لتزيد الضغط على جيوب المواطنين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سلوكهم الاستهلاكي.

في كثير من الأحياء الشعبية والمتوسطة، لم يعد المستهلك يشتري بالكميات نفسها التي كان يشتريها قبل سنوات. الأسر التي كانت تقتني عدة كيلوغرامات من اللحوم البيضاء أسبوعيا أصبحت تكتفي بالحد الأدنى، وبعضها بات يعيد ترتيب أولوياته الغذائية بالكامل. لذلك فإن الحديث عن استمرار الطلب لا يعني بالضرورة أن السوق يعيش الوضع الطبيعي نفسه الذي كان سائدا قبل موجات التضخم الأخيرة.

غير أن أزمة القدرة الشرائية ليست سوى جزء من القصة. فالجزء الآخر يرتبط بطريقة اشتغال القطاع نفسه. فحين ارتفعت أسعار الكتاكيت إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، دخل كثير من المستثمرين والمربين في سباق محموم نحو التوسع في الإنتاج أملا في تحقيق أرباح أكبر. في تلك اللحظة كانت لغة السوق تقول إن الطلب مرتفع والأسعار مغرية، لكن ما حدث بعد ذلك يكشف أحد أخطر أمراض الاقتصاد غير المنظم: الجميع ينتج في الوقت نفسه، والجميع يطرح إنتاجه في السوق في التوقيت نفسه، لتتحول الوفرة إلى أزمة.

هنا يظهر دور المضاربة والسماسرة الذين كثيرا ما يتحولون إلى لاعبين غير مرئيين داخل السلسلة الإنتاجية. فعندما ترتفع الأسعار يستفيد الوسطاء من تضخيم التوقعات، وعندما تنهار الأسعار يختفون تاركين المنتجين الصغار يواجهون الخسائر وحدهم. وبين الصعود والهبوط يبقى المربي الحلقة الأكثر تعرضا للمخاطر، خصوصا إذا كان يعتمد على قروض أو إمكانيات مالية محدودة.

وتزداد الصورة تعقيدا مع تدفق دجاج الأمهات إلى الأسواق بأسعار منخفضة جدا نتيجة تراجع أسعار البيض. فبدل أن يتم توجيه هذا المنتج نحو مسارات صناعية أو تحويلية قادرة على امتصاص الفائض، وجد طريقه مباشرة إلى الأسواق الاستهلاكية، مضيفا ضغطا جديدا على أسعار الدجاج الأبيض التقليدي. وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمتلك قطاع الدواجن في المغرب آليات استباقية لتدبير الفائض، أم أنه ما زال يشتغل بمنطق رد الفعل بعد وقوع الأزمة؟

المعطى الآخر الذي لا يقل أهمية يتعلق بالتصدير. فتعثر بعض المنافذ الخارجية وتراجع حركة تصدير الكتاكيت وبيض التفريخ أدى إلى عودة ملايين الوحدات إلى السوق المحلية. وفي اقتصاد يخضع لقواعد العرض والطلب، فإن أي كمية إضافية غير متوقعة تتحول بسرعة إلى عنصر ضغط على الأسعار. غير أن هذه التطورات تكشف مرة أخرى هشاشة التوازن القائم داخل القطاع، إذ يبدو أن السوق المحلية ما زالت عاجزة عن امتصاص الصدمات الخارجية عندما تتوقف قنوات التصدير أو تتعطل.

لكن إذا كان المربون يتحدثون عن انهيار الأسعار، فإن المواطن يتساءل بدوره: أين كانت هذه المخاوف عندما كان سعر الدجاج يتجاوز عشرين درهما للكيلوغرام؟ ولماذا لا يشعر المستهلك عادة بنتائج الوفرة بالسرعة نفسها التي يشعر بها بنتائج الندرة؟ هذه الأسئلة تعكس أزمة ثقة متراكمة بين المواطن والأسواق. فالكثير من المغاربة باتوا مقتنعين بأن الأسعار ترتفع بسرعة عندما يتعلق الأمر بمصالح المنتجين أو الوسطاء، لكنها تتباطأ في الانخفاض عندما تتحسن ظروف السوق.

في العمق، لا تتعلق الأزمة الحالية بالدجاج فقط، بل بنموذج اقتصادي كامل يحتاج إلى مراجعة. فوجود منتجين يخسرون ومستهلكين يشتكون في الوقت نفسه يعني أن الخلل يوجد في مكان ما بينهما، داخل حلقات التوزيع والتخزين والتسويق والتنظيم. وعندما تصبح السلسلة الطويلة من الوسطاء أقوى من المنتج والمستهلك معا، تتحول السوق إلى فضاء للمضاربة أكثر منها فضاء لتلبية الحاجيات الحقيقية للمجتمع.

إن ما يجري اليوم داخل قطاع الدواجن يكشف حاجة ملحة إلى حكامة جديدة تقوم على الشفافية وتبادل المعطيات الدقيقة حول الإنتاج والاستهلاك، وتطوير أدوات التوقع المبكر للأزمات، وإعادة هيكلة سلاسل التسويق بما يحد من نفوذ السماسرة والفراقشية الذين يستفيدون من تقلبات الأسعار أكثر مما يستفيد منها المنتج أو المواطن. كما يكشف الحاجة إلى سياسات تحمي صغار المربين من الإفلاس دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لرفع الأسعار على المستهلك.

وفي النهاية، قد تبدو أزمة الدجاج حدثا اقتصاديا عاديا ضمن سلسلة الأخبار اليومية، لكنها في الحقيقة تطرح سؤالا أكبر يتعلق بطبيعة السوق التي يريدها المغرب لمستقبله. فهل يمكن بناء اقتصاد يربح فيه الجميع: المنتج والمستهلك والدولة؟ أم أننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها التي تجعل كل أزمة تنتهي بمنتصر واحد هو المضارب، وخاسرين اثنين هما المواطن والمقاولة الصغيرة؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تكشفه أسعار الدجاج اليوم، والذي يتجاوز بكثير حدود المزارع والأسواق ليصل إلى جوهر العدالة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع المغربي.