بين العزوف والقدر السياسي.. هل أصبح ضعف المشاركة الانتخابية أزمة مجتمع أم نتيجة تراكمات حكم؟

0
89

ليست المعضلة التي يعيشها المغرب اليوم مرتبطة فقط باقتراب محطة انتخابية جديدة، ولا يمكن اختزالها في سؤال تقني حول نسبة المشاركة في صناديق الاقتراع. فالعزوف الانتخابي لم يولد مع انتخابات 2026، ولم يكن استثناء في استحقاق دون آخر، بل تحول عبر عقود إلى ظاهرة بنيوية رافقت التجربة السياسية المغربية منذ بداياتها، بدرجات متفاوتة، حتى أصبح جزءا من المشهد العام، يتكرر كلما دُعي المواطن إلى اختيار ممثليه.

من هذا المنطلق، تكتسب التصريحات الأخيرة لعزوز الصنهاجي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، أهمية خاصة، ليس لأنها تطرح لأول مرة سؤال المشاركة، وإنما لأنها تعيد فتح ملف ظل يؤرق الدولة والأحزاب والمجتمع منذ سنوات طويلة. غير أن هذه القراءة تثير في الوقت نفسه مفارقة لا يمكن تجاوزها؛ فحين يصدر التشخيص عن قيادي في حزب سبق أن شارك في تدبير الشأن العام وكان جزءا من الحكومات المتعاقبة، فإن السؤال لا يعود موجها فقط إلى المجتمع، بل يمتد إلى الطبقة السياسية نفسها التي ساهمت، بدرجات مختلفة، في صناعة الواقع الذي تنتقده اليوم.

فالحديث عن العزوف باعتباره نتيجة “مسار تاريخي معقد” يحمل قدرا كبيرا من الصحة، لكنه يظل ناقصا إذا لم يشمل كذلك مسؤولية النخب السياسية التي تداولت على السلطة والمعارضة، والتي أخفقت، في كثير من الأحيان، في تحويل الديمقراطية من مجرد آلية انتخابية إلى تجربة يومية يشعر المواطن بثمارها في التعليم والصحة والعدالة والشغل والخدمات العمومية.

ذلك أن المواطن العادي لا يقاطع صناديق الاقتراع لأنه يرفض الديمقراطية من حيث المبدأ، وإنما لأنه، بعد سنوات طويلة من الوعود، لم يعد يلمس العلاقة المباشرة بين صوته وبين تحسين شروط حياته. بالنسبة إليه، الانتخابات ليست خطابا دستوريا أو نظريا، بل امتحان عملي لمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تغيير تفاصيل حياته اليومية. وحين تتكرر الأزمات الاجتماعية، وتتسع الفوارق المجالية، وتتراجع القدرة الشرائية، ويشعر المواطن بأن النخب تتغير بينما تبقى السياسات والنتائج متشابهة، فإن فقدان الثقة يصبح نتيجة طبيعية أكثر منه موقفا أيديولوجيا.

لهذا تبدو محاولة تفسير ضعف المشاركة فقط بالإرث التاريخي أو بحملات تبخيس السياسة خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قراءة تحتاج إلى استكمال. فالتاريخ يفسر جزءا من الأزمة، لكنه لا يبرر استمرارها بعد أكثر من عقدين من الإصلاحات الدستورية، والتعددية الحزبية، وتوسيع الحريات، وتداول الأحزاب على تدبير الحكومة. فلو كانت السياسات العمومية قد نجحت في إنتاج أثر ملموس على حياة الناس، لكان من الطبيعي أن تستعيد صناديق الاقتراع جزءا من جاذبيتها.

وفي هذا السياق، يلفت الصنهاجي الانتباه إلى العلاقة بين المشاركة الانتخابية والثقة في المؤسسات، معتبرا أن ارتفاع نسب التصويت يمنح الدولة مشروعية أقوى، خاصة في ظل رهانات استراتيجية مثل تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، أو استعداد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030. وهي قراءة تحمل بعدا مؤسساتيا مهما، لأن قوة أي دولة في المحافل الدولية لا تقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد أو البنية التحتية، وإنما أيضا بمدى حيوية مؤسساتها التمثيلية واتساع قاعدة المشاركة الشعبية في إنتاج القرار.

غير أن هذه المشروعية لا يمكن أن تُبنى فقط بالدعوات إلى المشاركة، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الثقة، والثقة ليست خطابا سياسيا، وإنما حصيلة تراكمية من الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام تكافؤ الفرص، وإقناع المواطن بأن صوته قادر فعلا على إحداث الفرق.

ومن أكثر النقاط إثارة في مداخلة الصنهاجي، حديثه عن ما سماهم “تجار الانتخابات” و”الفراقشية”، باعتبارهم المستفيد الأول من ضعف المشاركة. فالمنطق الذي يطرحه يبدو واضحا؛ كلما تقلص عدد المصوتين، ارتفع الوزن النسبي للأصوات التي يتم التحكم فيها عبر المال أو شبكات النفوذ، وكلما اتسعت المشاركة الشعبية، تضاءلت قدرة المال الانتخابي على حسم النتائج.

غير أن هذا التحليل يقود بدوره إلى سؤال أكثر عمقا: لماذا استمر هذا النموذج الانتخابي لعقود رغم تعاقب الحكومات والأغلبيات البرلمانية؟ ولماذا بقيت ظاهرة المال الانتخابي حاضرة في النقاش السياسي مع كل استحقاق؟ إن استمرار الظاهرة لا يعكس فقط خللا انتخابيا، بل يكشف عن إشكالات تتعلق بفعالية الرقابة، وتطبيق القانون، وقدرة الأحزاب نفسها على إنتاج نخب تنافس بالكفاءة بدل النفوذ المالي.

كما أن انتقاد الأداء الحكومي الحالي وضعف الكفاءة السياسية لبعض الوزراء، رغم وجاهة جزء من الملاحظات، يعيد طرح سؤال المسؤولية المشتركة داخل الحقل الحزبي. فالمشهد السياسي المغربي لا تصنعه حكومة واحدة، بل هو نتاج تراكمات شاركت فيها أحزاب الأغلبية والمعارضة على السواء. لذلك فإن اختزال الأزمة في الحكومة الحالية قد يغفل حقيقة أن أزمة الوساطة السياسية أعمق من عمر ولاية حكومية، وأنها تمس بنية العمل الحزبي وأساليب اختيار النخب وآليات تجديدها.

والأكثر دلالة أن الصنهاجي نفسه ينتهي إلى مفارقة يعرفها الجميع؛ فالمغاربة يلتفون حول وطنهم في المحطات الوطنية والرياضية والدبلوماسية، ويظهرون حسا وطنيا عاليا كلما تعلق الأمر بصورة المغرب أو مصالحه العليا، لكن هذا الشعور لا يتحول بالضرورة إلى مشاركة سياسية واسعة.

غير أن هذه المفارقة قد تحمل في داخلها رسالة مختلفة عما يبدو لأول وهلة. فهي لا تعني أن المواطن فقد وطنيته، بل ربما تعني أنه فقد ثقته في الوسيط السياسي الذي يفترض أن يحول هذه الوطنية إلى سياسات عمومية ومؤسسات منتخبة. فالفارق كبير بين حب الوطن والثقة في من يدير شؤونه، وبين الاعتزاز بالهوية الوطنية والاقتناع بجدوى العملية الانتخابية.

ومن هنا، فإن معالجة العزوف لا تبدأ بحملات التحسيس ولا بالشعارات الداعية إلى التصويت، وإنما بإعادة الاعتبار للسياسة نفسها. وهذا يقتضي إصلاحا متكاملا يبدأ بتجديد النخب، وتعزيز النزاهة الانتخابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات على أساس الإنجاز لا الوعد.

في النهاية، تبدو تصريحات عزوز الصنهاجي أقرب إلى تشخيص لمرض مزمن منه إلى اكتشاف لواقع جديد. غير أن التشخيص، مهما بلغت دقته، يبقى غير كاف إذا لم يمتلك أصحابه الجرأة للاعتراف بأن مسؤولية ما آلت إليه الحياة السياسية ليست مسؤولية المواطنين وحدهم، ولا الحكومات الحالية فقط، وإنما هي مسؤولية تاريخية مشتركة بين مختلف الفاعلين الذين تعاقبوا على إدارة الشأن العام.

أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، فهو ليس لماذا يعزف المغاربة عن الانتخابات، لأن الجواب أصبح معروفا إلى حد بعيد، بل لماذا، بعد كل هذه العقود من الإصلاحات والتجارب وتداول الأحزاب على السلطة، ما زالت الطبقة السياسية تعيد طرح السؤال نفسه وكأنه يطرح للمرة الأولى؟ ربما لأن الأزمة الحقيقية لم تكن يوما في صندوق الاقتراع، بل في العلاقة التي سبقت الوصول إليه، وهي علاقة ثقة لم تنجح السياسة المغربية، حتى الآن، في ترميمها بصورة تجعل المواطن يؤمن بأن صوته يغير مصيره، لا مجرد نتائج الانتخابات.