رسائل سرية تعيد خلط أوراق مونديال 2030… من احتاج إلى المغرب أكثر؟

0
107

لم تعد المعركة الدائرة حول كأس العالم 2030 مجرد منافسة بين ملاعب ستستضيف المباريات أو مدن تتطلع لاحتضان النهائي، بل تحولت إلى صراع على الرواية نفسها؛ من صاحب الفكرة؟ ومن قاد المشروع؟ ومن منح الملف المشترك ثقله الدولي؟ ولهذا لم يكن مستغربًا أن تعود رسائل تعود إلى سنة 2018 لتتصدر المشهد في توقيت يقترب فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم من حسم تفاصيل توزيع المباريات الكبرى، وفي مقدمتها المباراة النهائية التي أصبحت محور تنافس بين ملعب الحسن الثاني الكبير بالدار البيضاء وملعبي “سانتياغو برنابيو” و”كامب نو” في إسبانيا.

في هذا السياق، أعادت صحيفة إسبانية نشر سلسلة من الرسائل المنسوبة إلى الرئيس السابق للاتحاد الإسباني لكرة القدم لويس روبياليس، والمتبادلة مع سفيرة المغرب في مدريد كريمة بنيعيش، إلى جانب رسائل أخرى مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز. ومن حيث الظاهر، يبدو التقرير وكأنه يقدم سبقًا صحفيًا يكشف كواليس المفاوضات التي سبقت الإعلان الرسمي عن الملف الثلاثي. لكن عند قراءة مضمون الرسائل وسياق نشرها، يتبين أن القضية تتجاوز مجرد كشف وثائق قديمة، لتلامس معركة سياسية وإعلامية حول من يملك حق رواية قصة مونديال 2030.

فالرسائل لا تكشف فقط وجود اتصالات مبكرة بين الرباط ومدريد، بل تؤكد أن فكرة إشراك المغرب في المشروع كانت مطروحة منذ صيف 2018، أي قبل سنوات من الإعلان الرسمي عنها. غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل كانت هناك اتصالات؟ فمثل هذه الاتصالات تعد أمرًا طبيعيًا في الملفات الدولية الكبرى، وإنما السؤال الأهم هو: لماذا يُعاد فتح هذا الملف الآن؟ ولماذا تتحول رسائل مضى عليها سنوات إلى مادة إعلامية في لحظة تقترب فيها القرارات الحاسمة المتعلقة بتنظيم البطولة؟

هنا تبدأ القراءة التي تتجاوز ظاهر النص. فالوثائق، مهما بلغت أهميتها، لا تتحدث وحدها؛ بل يتحدث أيضًا توقيت إخراجها إلى العلن. وفي عالم السياسة، كثيرًا ما تكون قيمة الوثيقة مرتبطة بموعد نشرها أكثر من مضمونها. وعندما تظهر هذه الرسائل في مرحلة يحتدم فيها النقاش حول هوية المدينة التي ستحتضن النهائي، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الهدف مجرد توثيق مرحلة تاريخية، أم محاولة لإعادة تشكيل الرواية العامة حول من كان صاحب المبادرة ومن كان صاحب الدور الحاسم.

ومن يقرأ الرسائل المنشورة يلاحظ أنها ترسم صورة لروبياليس باعتباره صاحب مبادرة يتحرك بين الحكومات والاتحادات الرياضية، ويوظف علاقاته مع المسؤولين الإسبان والمغاربة للدفع نحو مشروع مشترك. وتظهره بعض المراسلات وهو يخاطب السفيرة المغربية بلغة تؤكد الالتزام الشخصي، ثم ينتقل إلى مخاطبة رئيس الحكومة الإسبانية ليعرض عليه المشروع باعتباره قضية دولة تتطلب تنسيقًا حكوميًا. هذه الصورة، إذا أُخذت بمعزل عن السياق، توحي بأن المبادرة كانت إسبانية في الأساس، وأن المغرب التحق بها لاحقًا.

لكن قراءة أكثر هدوءًا تكشف أن الرسائل، في حد ذاتها، لا تثبت من كان يقود المشروع بقدر ما تثبت وجود إرادة مشتركة لبنائه. فوجود اتصالات مبكرة لا يعني تلقائيًا أن طرفًا واحدًا كان يمتلك زمام المبادرة، كما أن المفاوضات الدولية لا تُدار عادة عبر شخص واحد، مهما كانت مكانته، بل عبر مؤسسات سياسية ورياضية ودبلوماسية تتقاطع أدوارها حتى تصل إلى قرار رسمي.

وتزداد هذه الملاحظة أهمية عندما ننتبه إلى أن الرسائل نفسها تعكس حاجة إسبانيا إلى موافقات متعددة؛ من الحكومة الإسبانية، ومن البرتغال، ثم من المغرب، قبل الانتقال إلى الإعلان الرسمي. ولو كانت مدريد قادرة وحدها على فرض المشروع، لما احتاجت إلى كل هذا المسار الطويل من المشاورات، ولما تحولت موافقة الرباط إلى محطة أساسية في تطور الملف.

وهنا تبرز زاوية أخرى غالبًا ما تغيب عن القراءة السطحية. ففي سنة 2018، لم يكن المغرب يدخل هذه المفاوضات من موقع الباحث عن فرصة، بل من موقع الدولة التي كانت تمتلك بدورها مشروعًا ورصيدًا متراكما من محاولات استضافة كأس العالم. فالمملكة لم تكن تبدأ من الصفر، بل كانت تحمل إرثًا يمتد لعقود من الترشحات، وشبكة واسعة من العلاقات داخل المنظومة الكروية الدولية، وهو ما جعل أي تفاوض معها يأخذ بعدًا استراتيجيا، وليس مجرد دعوة رمزية لإكمال ملف ثلاثي.

ومن هنا يصبح الحديث عن “إقناع المغرب” قراءة ناقصة للواقع. فالوقائع نفسها تشير إلى أن الطرفين كانا يبحثان عن صيغة تحقق مصالحهما. إسبانيا كانت تحتاج إلى شريك يعزز فرص الملف دوليًا، بينما كان المغرب يبحث عن صيغة أكثر واقعية لتحقيق حلم طال انتظاره بعد سلسلة من الإخفاقات في سباقات الاستضافة الفردية. لذلك فإن المشروع لم يكن منحة من طرف لآخر، بل تقاطع مصالح أنتج صيغة جديدة غير مسبوقة تجمع أوروبا وإفريقيا في تنظيم واحد.

كما أن الرسائل تكشف، بصورة غير مباشرة، أن كرة القدم لم تعد منفصلة عن الدبلوماسية. فعندما يتحول رئيس اتحاد لكرة القدم إلى وسيط بين حكومة بلاده ورئيس “فيفا”، وعندما تصبح السفارات جزءًا من مسار التفاوض، فإننا نكون أمام ملف تجاوز منذ البداية حدود الرياضة. لقد أصبحت البطولة مشروعًا سياسيًا واستراتيجيا، وأداة لتعزيز النفوذ الإقليمي، وإعادة ترتيب العلاقات بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن هذه الاتصالات انطلقت في فترة كانت العلاقات المغربية الإسبانية تعرف الكثير من الحساسيات والملفات العالقة. ورغم ذلك، اختار الطرفان فتح قناة تعاون حول مشروع رياضي ضخم، وهو ما يكشف أن الرياضة كانت تُستخدم، منذ ذلك الوقت، كجسر لإعادة بناء الثقة، وليس فقط كملف تنظيمي يتعلق باستضافة بطولة عالمية.

لهذا، فإن الاكتفاء بقراءة الرسائل باعتبارها دليلاً على وجود اتصالات سرية، يُفقدها جزءًا كبيرًا من معناها. فالأهم من الرسائل هو ما تكشفه عن طبيعة المرحلة نفسها؛ مرحلة كانت فيها كرة القدم تتحول تدريجيًا إلى إحدى أدوات السياسة الخارجية، وإلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات الدبلوماسية مع المصالح الاقتصادية والصورة الدولية للدول.

غير أن ما تقوله هذه الرسائل ليس بالضرورة أهم مما لا تقوله. فهي تركز على كواليس التنسيق، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي سيصبح لاحقًا جوهر النقاش: لماذا أصبح المغرب عنصرًا يصعب تجاوزه في أي مشروع أوروبي لتنظيم كأس العالم؟ وهل كان مجرد شريك إضافي، أم أنه تحول إلى الحلقة التي منحت المشروع ثقله الدولي وأعادت رسم ميزان القوى داخل “فيفا”؟ ذلك هو السؤال الذي ستقودنا إليه القراءة في الجزء الثاني، حيث تبدأ الروايتان، الإسبانية والمغربية، في رسم صورتين مختلفتين للقصة نفسها.

إذا كانت الرسائل التي أعادت الصحيفة الإسبانية نشرها تحاول رسم صورة مفادها أن فكرة إشراك المغرب ولدت داخل الدوائر الإسبانية ثم وجدت طريقها إلى الرباط، فإن الرواية المغربية تقرأ المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. فهي لا تنفي وجود الاتصالات المبكرة، لكنها تنزع عنها صفة “الإنجاز الإسباني”، وتعيدها إلى منطق المصالح المتبادلة التي فرضتها موازين القوى داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وهنا ينتقل النقاش من الأشخاص إلى الأرقام، ومن المراسلات الخاصة إلى الجغرافيا السياسية للرياضة. فالمغرب لا يبني دفاعه على مضمون الرسائل، بل على معادلة بسيطة: من يمتلك القدرة على ترجيح ميزان التصويت داخل “فيفا” يمتلك قيمة تفاوضية لا يمكن تجاهلها.

هذه ليست مجرد قراءة مغربية للأحداث، بل هي قراءة لمنطق المؤسسات الدولية نفسها. ففي عالم كرة القدم، كما في السياسة، لا تُحسم الملفات الكبرى بالنوايا وحدها، وإنما بشبكات التحالفات وبالقدرة على تجميع الأصوات. لذلك فإن القيمة الحقيقية للمغرب لم تكن في كونه الدولة الثالثة داخل الملف، بل في كونه يمثل امتدادًا طبيعيًا نحو القارة الإفريقية، بما تحمله من وزن انتخابي ورمزي داخل المنظومة الكروية العالمية.

ومن هنا تتغير زاوية النظر بالكامل. فبدل أن يصبح السؤال: من دعا المغرب إلى المشروع؟ يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل كان المشروع قادرًا على الوصول إلى خط النهاية بالشكل الذي وصل إليه لو بقي مشروعًا أوروبيًا خالصًا؟

إن الرد المغربي يذهب مباشرة إلى هذه النقطة، لأنه يعتبر أن قوة الملف الثلاثي لم تولد من جمع ثلاث دول على الخريطة، وإنما من جمع فضاءين قاريين داخل مشروع واحد؛ أوروبا وإفريقيا. وهذه ليست مسألة شكلية، بل كانت تمثل رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة رياضية، مفادها أن كأس العالم 2030 لن يكون بطولة تستضيفها ثلاث دول متجاورة فحسب، بل مشروعًا يربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط في تجربة غير مسبوقة.

ولهذا يبدو أن الرسائل الإسبانية، رغم أهميتها، تتوقف عند بداية القصة، بينما يركز الرد المغربي على نهايتها. فالبداية تتحدث عن اتصالات، أما النهاية فتتحدث عن النتيجة التي انتهى إليها المشروع، وهي أن الملف الثلاثي أصبح المرشح الوحيد، قبل أن تتم المصادقة عليه بالتوافق داخل أجهزة “فيفا”. وبين البداية والنهاية مسافة طويلة من التحولات السياسية والرياضية لا تختزلها رسائل “واتساب”، ولا تختصرها لقاءات ثنائية مهما كانت أهميتها.

واللافت أن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بحقيقة ما جرى سنة 2018 بقدر ما يتعلق بما يجري في سنة 2030. فكلما اقترب موعد الحسم في توزيع المباريات الكبرى، عاد النقاش حول من قاد المشروع، وكأن الماضي أصبح وسيلة للتأثير في قرارات المستقبل.

ومن هنا يمكن فهم توقيت إعادة فتح الملف. فالخلاف الحقيقي لا يدور حول من كتب الرسالة الأولى، ولا حول من بادر بالاتصال، وإنما حول من يمتلك اليوم الشرعية المعنوية والسياسية للمطالبة بأكبر مكسب داخل البطولة: استضافة المباراة النهائية.

فالنهائي ليس مباراة عادية. إنه الصورة التي ستبقى في ذاكرة العالم، والملعب الذي سيحتضنه سيصبح جزءًا من تاريخ كرة القدم لعقود طويلة. ولذلك فإن الصراع حول النهائي هو، في جوهره، صراع على الرمزية الدولية، وعلى المكانة التي يريد كل بلد أن يحتلها في الذاكرة الجماعية لهذا الحدث العالمي.

ومن هذه الزاوية، تبدو الرسائل وكأنها تدخل في معركة السردية أكثر مما تدخل في معركة الوقائع. فمن ينجح في إقناع الرأي العام بأنه كان صاحب المبادرة، يسعى أيضًا إلى ترسيخ فكرة أنه الأحق بقيادة المشروع حتى نهايته. لكن هذا المنطق يصطدم بحقيقة أخرى، وهي أن الملفات الدولية الكبرى لا تُدار بمنطق “المالك” و”التابع”، وإنما بمنطق الشراكة التي تتغير موازينها مع تغير المصالح.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المغرب لم يعد ذلك الطرف الذي يبحث عن مقعد داخل المشاريع الدولية، بل أصبح شريكًا يُعاد رسم المشاريع من أجله أو معه. وهذا التحول لا يرتبط فقط بملف كأس العالم، بل يعكس مسارًا أوسع عزز حضور المملكة في ملفات اقتصادية واستثمارية ورياضية ودبلوماسية، وجعلها لاعبًا إقليميًا يصعب تجاوزه في غرب المتوسط وإفريقيا.

وهذا ما يجعل قراءة الرسائل بمنطق الانتصار لطرف على آخر قراءة قاصرة. فالوثائق، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها تفسير التحولات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ولا تفسر كيف انتقل المشروع من فكرة قيد التداول إلى ملف حاز إجماعًا داخل “فيفا”. فذلك كان نتيجة تراكم سياسي ودبلوماسي ورياضي شاركت فيه مؤسسات ودول، وليس نتيجة رسائل متبادلة بين مسؤولين.

ثم إن ثمة مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها. ففي الوقت الذي يحاول فيه البعض تقديم المغرب باعتباره شريكًا أُضيف لاحقًا إلى المشروع، تؤكد الوقائع أن الحديث عن تنظيم كأس العالم 2030 أصبح، منذ الإعلان الرسمي، مرتبطًا دائمًا بالصيغة الثلاثية، إلى درجة أن الفصل بين مكونات الملف لم يعد ممكنًا سياسيًا أو تنظيميًا. وهذا وحده يكشف أن المشروع تجاوز منذ سنوات مرحلة المبادرات الفردية، وأصبح ملكًا لشراكة دولية كاملة.

إن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من كل هذا الجدل هي أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة فوق المستطيل الأخضر، بل أصبحت امتدادًا مباشرًا للدبلوماسية ولصناعة النفوذ. فالرسائل التي كانت تُكتب في هواتف المسؤولين قبل سبع سنوات، تتحول اليوم إلى مادة في معركة إعلامية، لأن الجميع يدرك أن الرواية قد تصبح، أحيانًا، جزءًا من موازين القوة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية: هل أرادت هذه التسريبات بالفعل إعادة كتابة تاريخ ملف مونديال 2030، أم أنها جاءت لتؤثر في معركة لم تُحسم بعد حول هوية المدينة التي ستستضيف المباراة النهائية؟

قد تختلف الإجابات، لكن الثابت أن قصة مونديال 2030 لم تعد مجرد قصة تنظيم بطولة عالمية، بل أصبحت قصة نفوذ، ودبلوماسية، وصراع على الرمزية، وعلى حق كل طرف في أن يكتب الصفحة الأخيرة من أكبر حدث رياضي سيجمع إفريقيا وأوروبا في بطولة واحدة. وربما لهذا السبب تحديدًا، لن تكون الرسائل المسربة آخر فصول هذه القصة، بل مجرد حلقة جديدة في معركة تُخاض اليوم بالكلمات والوثائق، بقدر ما تُخاض بالملاعب والقرارات.