في ما مضى، كان كثير من المواطنين يعتقدون أن الحصول على عقار من أملاك الدولة لإقامة مشروع استثماري يشبه الدخول إلى متاهة طويلة؛ ملفات تُودَع، ووعود تُقدَّم، وأسماء تتكرر في لوائح المستفيدين، فيما يبقى أصحاب المشاريع الحقيقية يتساءلون: هل المعيار هو الكفاءة أم العلاقات؟ وهل تكفي دفاتر التحملات وحدها لضمان أن يصل العقار العمومي إلى من يستحقه فعلًا؟ اليوم، ومع إعلان مديرية أملاك الدولة استرجاع ما يقارب 5862 هكتارًا من المستثمرين الذين أخلّوا بالتزاماتهم التعاقدية، يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل المشكلة في المستثمرين فقط، أم في طريقة اختيارهم منذ البداية؟
الأرقام التي كشفتها مديرية أملاك الدولة تبدو للوهلة الأولى إيجابية؛ فالدولة استعادت آلاف الهكتارات التي لم تُستثمر كما كان مخططًا لها، وأعادت تفعيل مبدأ ربط الاستفادة بالإنجاز. غير أن القراءة العميقة لهذه المعطيات تفتح بابًا أكبر للنقاش. فحين تمنح الدولة عشرات الآلاف من الهكتارات لمشاريع استثمارية ثم تضطر لاحقًا إلى استرجاع جزء منها بسبب عدم الوفاء بالالتزامات، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالمراقبة اللاحقة، بل أيضًا بمرحلة الانتقاء السابقة. كيف تم اختيار هؤلاء المستثمرين؟ وما المعايير التي اعتمدت لتقييم قدرتهم المالية والتقنية؟ وهل كانت المشاريع المقدمة قابلة للتنفيذ فعلًا أم مجرد ملفات جذابة على الورق؟
في التجارب الدولية الحديثة، بدأت الحكومات تتجه نحو رقمنة مساطر الاستثمار وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقييم الملفات الأولية. الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها ثورية في جوهرها؛ إذ يتم إدخال المعطيات المالية والتقنية والقانونية للمستثمر في منصة إلكترونية ذكية تقوم بتحليلها ومقارنتها بآلاف الحالات السابقة، لتحديد مدى جدية المشروع وإمكانية نجاحه. هنا لا يكون القرار رهينًا بمزاج موظف أو تأثير وساطة أو قوة شبكة العلاقات، بل بمعايير رقمية موحدة تنطبق على الجميع.
وفي المغرب، حيث تتجه الدولة بقوة نحو الرقمنة وإصلاح الإدارة، يطرح استرجاع هذه المساحات الشاسعة سؤالًا مشروعًا: هل حان الوقت لإنشاء بوابة وطنية موحدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتدبير العقار العمومي الموجه للاستثمار؟ بوابة لا تكتفي باستقبال الطلبات، بل تقوم بتحليلها وترتيبها ومنح نقاط دقيقة لكل مشروع وفق مؤشرات واضحة؛ عدد مناصب الشغل الحقيقية، حجم الاستثمار المؤكد، الأثر البيئي، القيمة المضافة المحلية، القدرة التمويلية، وسوابق المستثمر في احترام التزاماته.
مثل هذا النظام قد يشكل ضربة قوية لثقافة المحسوبية والزبونية التي اشتكى منها الفاعلون الاقتصاديون لعقود. فالذكاء الاصطناعي لا يعرف الأسماء العائلية ولا الانتماءات السياسية ولا النفوذ المحلي. إنه يتعامل مع الأرقام والمعطيات. لكن السؤال الأكثر حساسية هو: هل يكفي الذكاء الاصطناعي وحده للقضاء على هذه الظواهر؟
الجواب، في الواقع، أكثر تعقيدًا. فالتكنولوجيا ليست عصا سحرية. إذ يمكن لأي نظام رقمي أن يتحول بدوره إلى أداة لإعادة إنتاج الاختلالات إذا كانت المعايير نفسها غير شفافة أو إذا تم التدخل في البيانات المدخلة إليه. لذلك فإن نجاح أي منصة ذكية لا يرتبط فقط بالتقنية، بل بمنظومة الحكامة التي تحيط بها. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد واضحة، وإلى نشر نتائج الانتقاء للعموم، وإلى تمكين المستثمرين غير المقبولين من معرفة أسباب الرفض، وإلى آليات للطعن والمراجعة.
ومن زاوية اقتصادية، تكشف معطيات التقرير أن الدولة عبأت خلال سنة واحدة ما يقارب 32 ألف هكتار لإنجاز 308 مشاريع بقيمة استثمارية تصل إلى 71 مليار درهم، مع وعود بإحداث أكثر من 16 ألف منصب شغل. هذه الأرقام الضخمة تجعل من العقار العمومي أحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية في المغرب. لكن كل هكتار غير مستغل لا يمثل مجرد أرض فارغة، بل فرصة ضائعة للتشغيل والتنمية وجلب الثروة. ولذلك فإن أي خطأ في اختيار المستثمرين لا تكون كلفته إدارية فقط، بل اجتماعية واقتصادية أيضًا.
ويزداد الأمر أهمية عندما نعلم أن أكثر من نصف المشاريع الجديدة تتركز في الأقاليم الجنوبية، حيث تراهن الدولة على جعل الاستثمار رافعة استراتيجية للتنمية وتعزيز الجاذبية الاقتصادية لهذه المناطق. هنا يصبح العقار العمومي ليس مجرد أصل مالي، بل أداة سيادية مرتبطة بالاستقرار والتنمية وخلق فرص العيش الكريم.
ومن الناحية القانونية، فإن استرجاع الدولة للعقارات المخلة بالتعهدات يبعث برسالة قوية مفادها أن زمن الاحتفاظ بالأراضي دون استثمار فعلي بدأ يقترب من نهايته. غير أن الرسالة الأقوى ستكون عندما تصبح عملية الاختيار نفسها محصنة ضد كل أشكال الشكوك. فالمواطن لا يريد فقط أن يرى الدولة تسترجع العقار بعد الفشل، بل يريد أن يطمئن منذ البداية إلى أن العقار منح للأكثر كفاءة والأكثر قدرة على الإنجاز.
لعل السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا استرجعت الدولة 5862 هكتارًا، بل كيف يمكن تفادي استرجاع الهكتارات المقبلة أصلًا؟ وهل نحتاج إلى لجان أكثر، أم إلى خوارزميات أكثر شفافية؟ وهل يمكن أن تصبح البوابة الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي حكمًا محايدًا بين جميع المستثمرين، فتغلق الأبواب أمام الشبهات وتفتحها أمام الكفاءة؟
ذلك هو التحدي الذي يواجه المغرب في مرحلة الانتقال من تدبير العقار إلى حكامة العقار. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على استرجاع الأراضي الضائعة، بل بقدرتها على إيصالها منذ البداية إلى الأيدي الصحيحة. وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي خادمًا للشفافية لا بديلًا عنها، وعندما تتحول البيانات إلى ضمانة للمساواة لا إلى واجهة جديدة للقرارات القديمة، آنذاك فقط يمكن أن نطرح السؤال المعاكس: هل انتهى فعلًا زمن المحسوبية والزبونية، أم أن “ريمة” ما زالت تبحث عن طريق للعودة إلى عادتها القديمة؟