حين تستدعي إسبانيا أوروبا لإدارة ما بعد العبور: هل تحولت أزمة المهاجرين إلى أزمة داخل المدينة نفسها؟

0
110

كان يفترض أن تنتهي الأزمة عندما انحسر التدفق.

عشرات الآلاف عبروا من المغرب إلى سبتة المحتلة في 30 و31 يوليوز، ثم عاد معظمهم خلال الساعات والأيام التالية. كان ذلك، في ظاهره، كافياً لإعلان أن أسوأ مراحل الأزمة انتهت.

لكن ما حدث بعد ذلك يقول شيئاً مختلفاً.

بعد شهر تقريباً، لا تزال إسبانيا تتحدث عن آلاف الأشخاص الذين بقوا داخل المدينة، وعن فرز هويات وملفات لم يُحسم وضعها، وعن أطفال وقاصرين يحتاجون إلى معالجة خاصة، وعن احتجاجات للسكان تحولت في بعض الحالات إلى مواجهات مع الشرطة. وفي 28 غشت، طلبت مدريد رسمياً مساعدة فرونتكس ويوروبول ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء للمشاركة في إدارة الملفات المتبقية.

هنا تغيرت طبيعة القصة.

لم تعد سبتة تواجه فقط موجة دخول جماعي. أصبحت تواجه آثارها الداخلية، في مدينة لا تتجاوز مساحتها 18.5 كيلومتراً مربعاً ويبلغ عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة.

من 72 ألفاً إلى بضعة آلاف

الرقم الأكثر تداولاً رسمياً هو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال موجة 30 و31 يوليوز. وقد أكدت الحكومة الإسبانية لاحقاً أن هذا الرقم هو المعتمد، بعد تصريحات تحدثت عن نحو 80 ألفاً.

لكن الأهم من الرقم الإجمالي هو ما حدث بعده.

تقول وزارة الداخلية الإسبانية إن نحو 5 آلاف شخص ما زالوا في سبتة، بينهم حوالي 1500 قاصر. وفي المقابل، تقول قوى سياسية معارضة إن العدد قد يكون أعلى بكثير، فيما سبق لمنظمات حقوقية أن تحدثت عن تقديرات تصل إلى 10 آلاف.

هذا التفاوت ليس تفصيلاً إحصائياً.

إنه يعكس واحدة من مشكلات الأزمة نفسها: الدولة تحاول إدارة آلاف الملفات الفردية في بيئة لا تزال فيها حتى أعداد الموجودين موضع خلاف.

ولهذا طلب فرناندو غراندي مارلاسكا من المفوضية الأوروبية تعزيز عملية الفرز، بمشاركة فرونتكس ويوروبول ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. وتريد مدريد أن تشمل المساعدة تحديد الهويات، ودراسة الملفات، وإجراء المقابلات، وتوفير المترجمين، ثم تحديد من يمكن إعادته ومن قد يكون له حق طلب اللجوء أو الحماية.

كما طلبت إسبانيا تمديد عملية «مينيرفا» التي تشارك فيها فرونتكس إلى 2 شتنبر، بالتزامن مع إعلان إجراءات جديدة لتعزيز الحدود، بينها توسيع رصيفي تاراخال وبنزو، وإنشاء منظومة دائمة من العوامات البحرية، وتكثيف استخدام الطائرات المسيرة ووسائل المراقبة والتدخل البحري.

الصورة هنا واضحة: مدريد لا تتعامل مع حادث عابر انتهى بانتهاء العبور، وإنما بدأت في إعادة تصميم منظومة التعامل مع الحدود نفسها.

لكن هذا لا يفسر وحده لماذا أصبحت سبتة، بعد أسابيع من موجة العبور، أكثر توتراً.

المدينة التي بدأت تتحدث عن نفسها

في 28 غشت، أصدرت الجمعية المحلية لسبتة موقفاً بالإجماع طالبت فيه الحكومة المركزية بالتدخل «فوراً ودون مزيد من الانتظار»، معتبرة أن المدينة توجد في وضع استثنائي وعلى حافة الانهيار.

رئيس الحكومة المحلية خوان فيفاس قال إن سبتة «فقدت نمط حياتها وهدوءها»، وإن هامش الوقت المتاح لتفادي تفاقم الوضع أصبح ضيقاً. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن الدفاع عن مصالح السكان لا يمكن أن يتحول إلى أخذ القانون باليد.

هذه النقطة مهمة، لأن الاحتجاجات لم تعد مجرد تعبير سياسي عن رفض الهجرة.

خلال الأيام الأخيرة، وقعت مواجهات بين متظاهرين والشرطة في مناطق كان مهاجرون يقيمون فيها، وأحرقت بعض المتعلقات والملاجئ المؤقتة. وفي حادث منفصل، أصيب جندي بعد رشق عناصر عسكرية بالحجارة، كما أعلنت السلطات عن توقيف مهاجرين على خلفية حوادث عنف أخرى.

وبالتوازي، دخل اليمين واليمين المتطرف بقوة على خط الأزمة، مطالباً بإعادة جميع المهاجرين المتبقين.

لكن الحكومة المركزية لا تستطيع ببساطة جمعهم وإعادتهم دفعة واحدة.

كل شخص يحتاج إلى تحديد هوية ووضع قانوني، ومن بينهم من قد يطلب اللجوء، فيما يخضع القاصرون غير المصحوبين لقواعد حماية خاصة. وهذا تحديداً ما يجعل عملية الفرز ضرورية قبل اتخاذ قرارات العودة.

المشكلة ليست في بضعة آلاف فقط

هنا تظهر المفارقة.

إسبانيا دولة ذات تجربة طويلة في إدارة الهجرة، وتتعامل سنوياً مع ملفات أكبر بكثير من حيث العدد والنطاق. لذلك فإن القول إن خمسة آلاف أو حتى عشرة آلاف شخص وحدهم جعلوا الدولة عاجزة لا يشرح الصورة كاملة.

خصوصية سبتة هي التي تجعل الأزمة مختلفة.

مدينة صغيرة، حدودها البرية مع المغرب هي في الوقت نفسه حدود خارجية للاتحاد الأوروبي، ومساحتها محدودة، وتركيبتها السكانية والاجتماعية حساسة، فيما لا تزال آثار الصدمة التي أحدثها العبور الجماعي حاضرة في الشارع.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش، بعد زيارة ميدانية في منتصف غشت، وجود آلاف الأشخاص في الشوارع وفي أوضاع إنسانية صعبة، مع نقص في المأوى والغذاء والصرف الصحي، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة تمكين من يرغب في طلب اللجوء من ذلك.

وهذا يعني أن مدريد تواجه مسارين متوازيين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر:

كيف تحمي المدينة من التوتر والعنف؟ وكيف تدير في الوقت نفسه حقوق الأشخاص الذين ما زالوا داخلها؟

أي خطأ في أحد المسارين يمكن أن يزيد الضغط في المسار الآخر.

إذا طال بقاء المهاجرين، ازداد غضب السكان. وإذا تحول الغضب إلى عنف أو اعتداءات جماعية، أصبح الملف الأمني أكثر تعقيداً. وإذا جرى التعامل مع المهاجرين خارج الإجراءات القانونية، ظهرت مشكلة أخرى مرتبطة باللجوء وحقوق الإنسان.

لهذا تبدو الاستعانة بأوروبا أكثر من مجرد مساعدة تقنية.

لماذا أوروبا الآن؟

المفوضية الأوروبية كانت قد عرضت على إسبانيا، في 21 غشت، مساعدة الوكالات الأوروبية في التعامل مع تداعيات الأزمة. وبعد ذلك طلبت مدريد رسمياً تفعيل هذه المساعدة.

اللافت أن الطلب جاء بعد أن بدأت الأزمة تتحول من أزمة حدود إلى أزمة داخلية.

وهنا يمكن قراءة خطوة مدريد باعتبارها محاولة لتخفيف العبء عن المؤسسات الإسبانية وإعطاء العملية طابعاً أوروبياً. ففرونتكس ليست مجرد جهاز حدودي، ويوروبول ليس جهازاً لإعادة المهاجرين، ووكالة اللجوء الأوروبية لا تتولى قرارات الإبعاد؛ لكل جهة اختصاص محدد.

بمعنى آخر، لا تأتي أوروبا إلى سبتة لكي تقوم بما ترفض إسبانيا القيام به، وإنما لكي تساعدها على إدارة التعقيد الذي خلفته الأزمة.

وهذا فارق جوهري.

فالمشكلة التي تواجهها مدريد الآن ليست كيف تمنع شخصاً من العبور فقط. المشكلة هي ماذا تفعل بالشخص الذي عبر، وبقي، ولم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره رقماً في موجة جماعية.

ومن هنا تأتي أهمية الفرز.

الفرز يعني أن تتحول موجة جماعية إلى ملفات فردية: هذا قاصر، وهذا بالغ، هذا يريد طلب اللجوء، وهذا لا تنطبق عليه شروطه، هذا يمكن إعادته، وهذا يحتاج إلى إجراء آخر.

عملية بطيئة بطبيعتها، في مدينة تريد حلاً سريعاً.

وما الذي بقي خارج الصورة؟

هناك جانب آخر يستحق الحذر.

السلطات الإسبانية تحدثت عن «التضليل» و«أثر النداء» في تفسير موجة العبور، فيما أفادت تقارير بأن إشاعة حول فتح الحدود ساهمت في دفع أعداد هائلة نحو سبتة. كما أن الحكومة الإسبانية ربطت جزءاً من تفسير ما حدث بتأويل واسع لحكم قضائي يتعلق بإجراءات الإعادة الفورية.

لكن تفسير الكيفية التي تحركت بها عشرات الآلاف من الأشخاص في وقت قصير لا يزال يحتاج إلى تفكيك أعمق من مجرد الحديث عن «إشاعة».

من أطلقها؟ كيف انتشرت؟ ولماذا وصلت بهذه السرعة إلى هذا العدد؟ وما الذي جعل أشخاصاً يعتقدون أن الحدود مفتوحة؟

هذه أسئلة مختلفة عن سؤال تدبير المهاجرين بعد دخولهم.

والخلط بين المرحلتين قد يجعل جزءاً أساسياً من القصة يضيع.

فالأزمة لم تبدأ عندما ظهرت الخيام على الشواطئ، وإنما قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي أصبح فيها الاعتقاد بإمكانية العبور أقوى من الخوف من الحدود.

ما بعد سبتة

قد تنجح مدريد، بمساعدة أوروبية، في تقليص عدد الموجودين وإنهاء الجانب الأكثر حدة من الأزمة. وقد يؤدي تشديد الحدود إلى منع تكرار المشهد قريباً.

لكن ذلك لن يمحو ما حدث.

لأن سبتة كشفت خلال أسابيع قليلة هشاشة منطقة صغيرة تحمل وظيفة أكبر من حجمها: هي في الوقت نفسه مدينة، وحدود إسبانية، وبوابة للاتحاد الأوروبي، ونقطة احتكاك دائمة مع المغرب.

وحين دخلت إليها عشرات الآلاف دفعة واحدة، لم تختبر الأزمة قدرة الحدود فقط؛ اختبرت قدرة المدينة على امتصاص الصدمة، وقدرة الدولة على إدارة ما بعدها، وقدرة المجتمع على منع الخوف من التحول إلى عنف.

ولهذا ربما يكون استدعاء فرونتكس ويوروبول أهم من كونه خبراً عن مساعدة أوروبية.

إنه اعتراف عملي بأن أزمة سبتة لم تعد أزمة عبور وانتهت، بل أصبحت أزمة إدارة لما تركه العبور وراءه.

وإذا كان العبور الجماعي قد كشف هشاشة الحدود في ذلك اليوم، فإن الأسابيع التي تلته تكشف شيئاً آخر أكثر عمقاً: أن إغلاق الحدود أسهل بكثير من إعادة بناء الهدوء داخل مدينة شعرت، ولو لفترة قصيرة، بأن السيطرة على حياتها اليومية خرجت من يد مؤسساتها.