طاطا بعد الفيضان: حين يصبح سقوط البيت أبطأ من وصول المساعدة

0
105

هناك بيوت لا تسقط دفعة واحدة.

تبدأ الحكاية بالماء. يدخل الوادي إلى البيت، يبلل الجدران الطينية، يضرب أساساتها، ثم يتركها واقفة لبعض الوقت، كأنها ما زالت قادرة على الصمود. لكن أهلها يعرفون أن شيئاً انتهى.

هذا بالضبط ما يقوله صاحب قصة «با جامع»، أحد المتضررين من فيضانات طاطا، بحسب الرواية المنشورة عنه: رجل يعيش مع أسرته في العراء منذ نحو عشرين يوماً، يقضي يومه تحت حرارة تتجاوز 46 درجة، بعدما انهار منزله أو أصبح غير صالح للسكن.

الرجل لم ينتظر سقوط البيت حتى يطلب المساعدة.

بحسب الرواية نفسها، كان قد نبه، منذ ما يقارب عامين، إلى أن المياه دخلت منزله وأتلفت أساساته. وحين قصد السلطة المحلية، قيل له إن الإحصاء يهم، في تلك المرحلة، من انهارت منازلهم كلياً. أما البيت الذي لم يسقط بعد، فلا يدخل في الخانة نفسها.

قد تبدو الجملة عابرة. لكنها تكشف مشكلة أكبر من منزل واحد.

لأن الكارثة لا تبدأ دائماً لحظة سقوط السقف.

أحياناً تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يصبح الخطر معروفاً ولا يتحول إلى قرار.

فيضانات شتنبر 2024 لم تكن حادثاً صغيراً في طاطا. السلطات أعلنت، في الأيام الأولى، عن وفيات ومفقودين ومساكن جرفتها السيول، فيما كشفت المعطيات اللاحقة عن أضرار واسعة طالت المنازل والطرق والممتلكات. وبعد ذلك أعلنت الحكومة برنامجاً لإعادة تأهيل المناطق المتضررة بقيمة 2.5 مليار درهم، كما أقرت دعماً لإعادة بناء مساكن متضررة، مع مبالغ مختلفة بحسب درجة الانهيار.

لكن الأرقام الحكومية، مهما كانت كبيرة، لا تجيب وحدها عن سؤال الرجل الذي يقضي ليلته خارج بيته.

متى يعتبر المنزل متضرراً؟

ومن يقرر أن الضرر بلغ الدرجة التي تستحق الدعم؟

وماذا يحدث للأسرة التي كان بيتها آيلاً للسقوط قبل أن يسقط فعلاً؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إدارياً. إنها في صميم العدالة التي يفترض أن ترافق تدبير الكوارث.

منذ الأسابيع الأولى التي أعقبت الفيضانات، ظهرت أصوات محلية تطالب بتعويض المتضررين وبإعلان طاطا منطقة منكوبة. وفي أكتوبر 2024 انتقلت المعركة من البيانات واللقاءات إلى المحكمة الإدارية بالرباط، حيث رُفعت دعوى ضد الدولة، ممثلة في رئيس الحكومة، بهدف اعتبار ما وقع في الإقليم «واقعة كارثية» وتمكين المتضررين من الاستفادة من نظام التغطية ضد عواقب الوقائع الكارثية.

وهنا بدأت قصة أخرى.

القضية لم تعد فقط قضية ضحايا في مواجهة آثار الفيضان، وإنما أصبحت أيضاً قضية تمثيل: من يتحدث باسم الضحايا؟ ومن يملك حق اتخاذ قرار التقاضي باسمهم؟ وهل يمكن أن تتحول المبادرة المدنية، وهي في الأصل محاولة للضغط من أجل التعويض والإنصاف، إلى مصدر خلاف بين الفاعلين المحليين؟

هذا ما وقع فعلاً في أكتوبر 2024.

«منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان» أعلن أنه لم يفوض أي شخص أو لجنة للحديث باسمه أو تمثيله في الدعوى. ونقلت الصحافة عن رئيس المنتدى اعتراضه على طريقة تدبير الملف، وعلى ما اعتبره تسرعاً في الانتقال إلى التقاضي، بينما أكد منسق «نداء طاطا» أن الدعوى يمكن أن تستمر حتى في حال انسحاب المنتدى، وأن انتصاب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كافٍ لاستمرارها.

هذه الواقعة مهمة، ليس لأنها تحسم من كان على حق، وإنما لأنها كشفت هشاشة الترافع المدني حين يدخل ملف الكارثة إلى منطقة تتقاطع فيها الحقوق والقضاء والسياسة المحلية.

وفي المقابل، لا يجوز أن يؤدي الخلاف بين الجمعيات إلى اختزال أصل المشكلة.

فالضحايا كانوا موجودين قبل تأسيس اللجان، وقبل البيانات، وقبل الدعوى.

وما زال بعضهم يحتاج إلى سقف.

هنا تعود قصة «با جامع» إلى الواجهة، لا بوصفها مجرد حكاية مؤثرة عن رجل منكوب، وإنما باعتبارها اختباراً عملياً لما إذا كانت منظومة التعامل مع الكوارث قادرة على الوصول إلى الشخص قبل أن يتحول الضرر إلى مأساة مكتملة.

الرجل الذي ينام في العراء لا يحتاج إلى خطاب عن التنمية المجالية بقدر حاجته إلى جواب بسيط: أين سيبيت هو وأسرته الليلة؟

وهذا هو المكان الذي ينبغي أن تُقاس فيه السياسات العمومية، لا فقط في قيمة الاعتمادات المرصودة ولا في عدد الاجتماعات واللجان.

لقد قالت الحكومة إنها خصصت 2.5 مليار درهم لإعادة تأهيل المناطق التي ضربتها الفيضانات في الجنوب الشرقي، وكانت طاطا ضمن المناطق المتضررة. كما كانت هناك عمليات لإحصاء وتقييم الخسائر تمهيداً لتحديد كيفية وتاريخ صرف المساعدات.

لكن مرور الوقت يغيّر طبيعة السؤال.

في الأيام الأولى، يكون السؤال: كيف ننقذ الناس؟

بعد أسابيع: كيف نعوضهم؟

وبعد أشهر: لماذا ما زال بعضهم ينتظر؟

ثم يصبح السؤال الأصعب: ماذا فعلنا حتى لا تتكرر القصة نفسها؟

طاطا ليست مجرد منطقة ضربتها أمطار استثنائية. إنها مجال يعرف هشاشة بنيوية، وقرى وواحات مرتبطة بمجارٍ مائية، ومساكن طينية شديدة الحساسية للسيول، وعزلة جغرافية تجعل الوصول إلى الخدمات والإغاثة أكثر تعقيداً. وقد سجلت أصوات مدنية ومحلية منذ الكارثة نقائص في الإحصاء والتكفل، وطالبت باستجابة تنموية تتجاوز التدخل الظرفي.

لهذا، فإن قصة البيت الذي انهار ليست نهاية القصة.

السؤال الحقيقي هو ما إذا كان سقوط البيت هو الذي يطلق تدخل الدولة، أم أن وظيفة الدولة في مناطق الكوارث تبدأ قبل أن يسقط البيت.

أما الاتهامات التي يوجهها صاحب الرواية إلى عامل الإقليم أو إلى منتخبين أو فاعلين جمعويين، فهي تحتاج، حتى تكون مادة صحافية مكتملة، إلى وثائق وشهادات مقابلة وتدقيق مستقل. لا يكفي أن تكون الاتهامات قوية لغوياً حتى تصبح حقائق صحافية. ما يمكن تثبيته هو أن ملف طاطا عرف منذ 2024 مطالب متواصلة بالتعويض، ومساراً قضائياً، وخلافاً حول التمثيل المدني، بينما ظل ملف بعض المتضررين مفتوحاً.

وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال الذي يتجاوز «با جامع»:

هل نجحت الدولة، بعد فيضانات طاطا، في الانتقال من منطق إحصاء ما سقط إلى منطق حماية من أصبح مهدداً بالسقوط؟

لأن الفرق بين الاثنين ليس فرقاً في الإجراءات.

إنه الفرق بين إدارة الكارثة بعد وقوعها، ومنع تحولها إلى حياة كاملة من التشرد والانتظار.