حين يصبح الحارس مشروع أمة… كيف صنع ياسين بونو الفارق، وكيف كشف محمد وهبي أن الانتصارات الكبرى تبدأ من العقل قبل القدم؟

0
108

في البطولات الكبرى، لا تصنع النتائج وحدها الحكاية، بل تصنعها أيضا التفاصيل التي لا يلتفت إليها كثيرون. فبينما سيحتفظ التاريخ بفوز المنتخب المغربي على كندا بهدفين دون رد وتأهله إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، فإن القراءة العميقة للمباراة تكشف أن بطاقة العبور لم تُكتب فقط بأقدام المهاجمين، بل بدأت من قفازات حارس مرمى اسمه ياسين بونو، ومن مقاربة تكتيكية قادها الناخب الوطني محمد وهبي، حولت لحظات الخطر إلى نقاط قوة، والضغط إلى فرصة لإعادة ترتيب المشهد.

المباراة لم تبدأ كما انتهت. فمنذ الدقائق الأولى، فرض المنتخب الكندي ضغطا هجوميا عنيفا، وكاد أن يبعثر الحسابات المغربية قبل أن يستقر إيقاع اللقاء. في تلك اللحظات، لم يكن بونو مجرد لاعب يؤدي دوره التقليدي، بل تحول إلى خط الدفاع الأول عن المشروع المغربي بأكمله. تصدى للركنيات، وقرأ تحركات المهاجمين، وأغلق الزوايا، وأنقذ مرماه من أهداف كانت كفيلة بتغيير السيناريو كاملا. لقد منح زملاءه ما يحتاجه أي فريق كبير في مثل هذه الظروف: الوقت.

وفي كرة القدم الحديثة، يعد الزمن أحد أهم عناصر الانتصار. فالحارس الذي يمنح فريقه عشر دقائق إضافية دون استقبال هدف، يمنحه في الحقيقة فرصة لإعادة تنظيم الصفوف، واستعادة الثقة، واستيعاب ضغط المنافس. وهذا بالضبط ما فعله بونو، إذ حافظ على توازن المنتخب المغربي إلى أن بدأ اللاعبون في التحرر من الضغط وفرض شخصيتهم على المباراة، قبل أن تتحول الكفة تدريجيا لصالح “أسود الأطلس”.

لكن قراءة أداء بونو لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المهارة التقنية. فالحارس المغربي يقدم نموذجا جديدا لدور حارس المرمى في كرة القدم المعاصرة. لم يعد الحارس مجرد آخر المدافعين، بل أصبح أول صانع للهدوء داخل الفريق، وقائدا نفسيا يبعث رسائل الطمأنينة إلى زملائه بمجرد نجاحه في أول تدخل مؤثر. إنها وظيفة ذهنية بقدر ما هي وظيفة رياضية، وهو ما يفسر استمرار بونو في الظهور حاسما كلما ارتفع مستوى الضغط.

ولعل ما يميز هذا المونديال أن تأثير بونو لم يكن وليد مباراة كندا فقط. فمنذ مواجهة البرازيل، ظهر بثبات كبير أمام أحد أقوى خطوط الهجوم في البطولة، محافظا على نقطة ثمينة كانت حجر الأساس في مشوار المنتخب خلال دور المجموعات. ثم واصل حضوره أمام أسكتلندا، قبل أن يعود في مباراة هولندا ليؤكد أن ركلات الترجيح أصبحت واحدة من تخصصاته النادرة، مستثمرا خبرته في قراءة لغة الجسد، وتأخير لحظة الارتماء، وتحويل الضغط النفسي إلى سلاح لصالحه، تماما كما فعل في مونديال قطر 2022.

غير أن اختزال هذا الإنجاز في بطولة فردية لبونو سيكون قراءة ناقصة للمشهد. فالتصريحات التي أدلى بها الناخب الوطني محمد وهبي بعد اللقاء كشفت الوجه الآخر للانتصار؛ وجه العمل الصامت الذي لا يظهر في الملخصات التلفزيونية. فقد أوضح أن الجهاز التقني كان يتوقع منذ البداية ضغطا كنديا مرتفعا، وأن الخطة تضمنت كيفية تجاوز تلك المرحلة الصعبة قبل الانتقال إلى فرض أسلوب اللعب المغربي.

وهنا يظهر الفارق بين المنتخبات التي تعيش ردود الفعل، وتلك التي تصنع السيناريو بنفسها. فالمدرب لم يبحث عن حلول بعد وقوع الأزمة، بل استعد لها مسبقا، ثم تدخل بين الشوطين بإعادة ضبط آليات الخروج بالكرة، مع التركيز على العمق بدل الأطراف، وهو تعديل بسيط في شكله، لكنه غيّر ميزان المباراة بالكامل. لقد أثبتت المواجهة أن كرة القدم الحديثة تحسم أحيانا داخل غرفة التحليل أكثر مما تحسم داخل المستطيل الأخضر.

وتكشف هذه المباراة أيضا عن تطور مهم في الشخصية الجماعية للمنتخب المغربي. ففي سنوات سابقة، كان استقبال ضغط قوي في بداية المباراة كفيلا بإرباك المنظومة بأكملها، أما اليوم، فقد أصبح اللاعبون أكثر قدرة على امتصاص الضغط دون فقدان التوازن، وأكثر إيمانا بأن المباراة لا تحسم في أول عشر دقائق، بل على امتداد تسعين دقيقة من الصبر والانضباط.

ومن زاوية أوسع، فإن استمرار المغرب في بلوغ الأدوار المتقدمة من كأس العالم للمرة الثانية تواليا يحمل دلالات تتجاوز حدود الرياضة. فحين يتحول التأهل إلى ربع النهائي من إنجاز استثنائي إلى هدف قابل للتحقيق، فإن ذلك يعكس تغييرا في الثقافة الرياضية نفسها. المنتخبات الكبرى لا تبنى على لحظة تاريخية واحدة، بل على تراكم الخبرات، واستقرار المشروع التقني، والإيمان بأن النجاح ليس صدفة تتكرر، وإنما نتيجة لمنظومة تتطور باستمرار.

ويبقى الدرس الأهم الذي تقدمه هذه النسخة من المنتخب المغربي هو أن البطولات لا تصنعها الأسماء وحدها، مهما بلغت قيمتها، بل تصنعها العلاقة المتوازنة بين الفرد والمنظومة. فبونو كان بطلا في المرمى، لكن بطولة الحارس ما كانت لتثمر لولا انضباط المجموعة، وقراءة الجهاز التقني، واستجابة اللاعبين للتعديلات، وثقة الجميع في المشروع الذي يقودهم.

وبين قفازات ياسين بونو، وعقل محمد وهبي، وروح مجموعة تؤمن بقدرتها على منافسة كبار العالم، يواصل المنتخب المغربي كتابة فصل جديد من تاريخه الكروي. فصل لا يقوم على مفاجأة عابرة، بل على قناعة راسخة بأن المغرب لم يعد يشارك في كأس العالم بحثا عن الحضور المشرف، وإنما أصبح يدخل كل مباراة وهو يملك الجرأة والطموح والقدرة على الذهاب بعيدا… وربما أبعد مما يتوقعه الجميع.