لم تعد الأزمة التي يعيشها الاتحاد الدولي لكرة القدم مجرد خلاف عابر حول جائزة مُنحت لرئيس دولة أو ظهور بروتوكولي في مناسبة سياسية. فالمشهد الذي يتشكل بهدوء داخل أروقة “فيفا” يكشف عن سؤال أكبر وأكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يفقد أكبر تنظيم رياضي في العالم المسافة الفاصلة بين الرياضة والسلطة السياسية؟
في الوقت الذي ينشغل فيه ملايين المشجعين بالتحضيرات لمونديال 2026، تتصاعد داخل أوروبا موجة اعتراض لا تستهدف بطولة كأس العالم، وإنما تستهدف طبيعة القيادة التي أصبحت تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم. فالرسالة التي وقعها خمسون نائباً أوروبياً ليست احتجاجاً على شخص جاني إنفانتينو بقدر ما هي تحذير من أن المؤسسة التي بنت شرعيتها على مبدأ الحياد بدأت تتحول تدريجياً إلى منصة تمنح الشرعية السياسية.
القضية لم تبدأ مع منح “جائزة فيفا للسلام” للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي جائزة لم يسبق أن عرف الرأي العام معاييرها أو شروط استحقاقها. فالاعتراض الحقيقي يتعلق بالسياق الكامل الذي جاءت فيه الجائزة؛ سلسلة من المواقف والرموز والظهور الإعلامي جعلت كثيرين يرون أن رئيس “فيفا” لم يعد يكتفي بإدارة كرة القدم، بل أصبح يشارك في صناعة الصورة السياسية لرئيس الولايات المتحدة.
وعندما يصبح رئيس أكبر مؤسسة رياضية حاضراً في حفل تنصيب رئيس دولة، ويثني على سياساته الداخلية، ويدعو إلى منحه جائزة نوبل للسلام، ثم يظهر مرتدياً قبعة تحمل شعارات انتخابية مرتبطة بذلك الرئيس، فإن النقاش يغادر دائرة البروتوكول ليدخل مباشرة إلى جوهر مفهوم الحياد المؤسسي.
لهذا السبب لم تتحدث المنظمات الحقوقية الأوروبية عن خطأ بروتوكولي، بل عن احتمال انتهاك للمادة الخاصة بواجب الحياد في مدونة أخلاقيات “فيفا”. فالمشكلة ليست في الموقف السياسي بحد ذاته، وإنما في صدوره عن شخصية يفترض فيها أن تمثل أكثر من مئتي اتحاد وطني، ينتمي كل واحد منها إلى منظومة سياسية مختلفة، وأحياناً متعارضة.
لكن المفارقة أن الاعتراض الأوروبي بقي محدود التأثير. وليس لأن حججه ضعيفة، وإنما لأن ميزان القوى داخل “فيفا” تغير جذرياً خلال السنوات الأخيرة. فقد نجح إنفانتينو في بناء شبكة نفوذ عالمية تعتمد على سياسة توزيع الموارد المالية بصورة غير مسبوقة، حيث ارتفعت المخصصات الموجهة للاتحادات الوطنية إلى مستويات جعلت كثيراً من الاتحادات تنظر إلى “فيفا” باعتبارها شريكاً مالياً قبل أن تكون سلطة تنظيمية.
وهنا يظهر التحول الحقيقي في طبيعة السلطة داخل كرة القدم العالمية. فالشرعية لم تعد تُبنى فقط على احترام القوانين، بل أصبحت تُصنع أيضاً عبر الاقتصاد الرياضي. وكلما توسعت برامج التمويل، تقلصت قدرة الاتحادات الصغيرة على معارضة القيادة المركزية، لأن الاعتماد المالي يولد في كثير من الأحيان صمتاً سياسياً.
ومن هنا يمكن فهم سبب العزلة التي وجد الاتحاد النرويجي نفسه فيها عندما رفع صوته محذراً من انحراف المؤسسة عن مبادئها. فالرئيسة ليزه كلافينيس لم تكن تتحدث فقط عن جائزة مثيرة للجدل، بل كانت تصف إحساساً بأن المؤسسة تتحرك في اتجاه لا يستطيع أحد داخلها إيقافه، حتى لو كان مقتنعاً بخطورته.
وتكشف هذه الأزمة أيضاً عن تغير جغرافي عميق في موازين النفوذ داخل كرة القدم العالمية. فخلال عقود طويلة كانت أوروبا تمثل مركز القرار الحقيقي داخل “فيفا”، أما اليوم فقد أصبح الرئيس يبني تحالفاته وفق معادلة جديدة تنتقل من روسيا إلى الشرق الأوسط ثم إلى الولايات المتحدة، بينما يتراجع الوزن السياسي للقارة الأوروبية تدريجياً داخل المؤسسة.
وهذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في خريطة كرة القدم، بل يعكس أيضاً تغيراً في خريطة القوة العالمية. فكما انتقلت مراكز الاقتصاد والاستثمار نحو مناطق جديدة، بدأت مراكز التأثير الرياضي تتحرك في الاتجاه نفسه، وأصبح رئيس “فيفا” يقرأ السياسة الدولية بعيون الجغرافيا الاقتصادية أكثر مما يقرأها بعيون التاريخ الكروي.
ومع ذلك، فإن أخطر ما تواجهه “فيفا” اليوم ليس الرسائل الاحتجاجية ولا البيانات الحقوقية، بل تراكم الملفات القانونية التي بدأت تصل إلى المؤسسات الأوروبية. فحين تنتقل الاعتراضات من المجال الأخلاقي إلى المجال القضائي، تصبح المؤسسة أمام مرحلة مختلفة قد تكون أكثر تأثيراً من أي حملة إعلامية.
إن الأزمة الحالية تطرح سؤالاً يتجاوز شخص إنفانتينو نفسه: هل تستطيع كرة القدم العالمية أن تحافظ على استقلالها في عصر أصبحت فيه الرياضة إحدى أدوات النفوذ السياسي والدبلوماسي والاقتصادي؟ أم أن حياد المؤسسات الرياضية أصبح مجرد شعار يصعب تطبيقه في عالم تتداخل فيه المصالح إلى هذا الحد؟
قد ينجح رئيس “فيفا” في الفوز بولاية جديدة، وقد تستمر المؤسسة في تحقيق أرقام مالية غير مسبوقة، لكن التاريخ الرياضي يعلمنا أن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بحجم مداخيلها أو عدد بطولاتها، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على الثقة العامة. وعندما تبدأ هذه الثقة في التآكل، فإن الأزمة لا تكون أزمة رئيس، بل أزمة مؤسسة بأكملها، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره كرة القدم ليس بطولة أو كأساً، وإنما إيمان العالم بأنها ما تزال لعبة توحد الشعوب أكثر مما تخدم أجندات السياسة.