من صورة على الشبكات إلى ملف أمني: كيف تحوّلت منشورات التحريض في الملاعب إلى إنذار مبكر للعنف الرقمي والشغب الرياضي؟

0
121

لم تعد المدرجات تبدأ عند أبواب الملعب وتنتهي مع صافرة الحكم. فاليوم، قد تبدأ مباراة كاملة داخل شاشة هاتف، وقد تندلع شرارة التوتر من صورة أو منشور أو تعليق قبل أن يصل الجمهور إلى المدرجات أصلاً. في زمن الشبكات الاجتماعية، أصبحت الكرة تتحرك أحياناً في الفضاء الرقمي أكثر مما تتحرك فوق العشب الأخضر، وأصبحت الأجهزة الأمنية تراقب ما يُنشر على المنصات الرقمية بالقدر نفسه الذي تراقب به محيط الملاعب.

في هذا السياق جاء تدخل مصالح الأمن بمدينة وجدة لتوقيف شخص يشتبه في تورطه في نشر وتداول محتوى رقمي تضمن، وفق المعطيات المتوفرة، إشارات إلى العنف والشغب الرياضي عبر صورة جمعت بين شعار فريق مولودية وجدة ومجسم لسلاح ناري وذخيرة. وقد لا تبدو الصورة للوهلة الأولى سوى منشور عابر وسط آلاف المنشورات اليومية، غير أن خطورتها تكمن في السياق الذي ظهرت فيه وفي الرسائل التي يمكن أن تحملها داخل بيئة كروية تعرف أحياناً توترات بين بعض الفصائل المشجعة.

القضية تتجاوز في حقيقتها شخصاً موقوفاً أو منشوراً رقمياً معيناً. إنها تكشف عن تحوّل عميق في طبيعة التحديات الأمنية المرتبطة بالرياضة. فخلال سنوات مضت كان التعامل مع الشغب الرياضي ينطلق من وقائع ميدانية ملموسة؛ اشتباكات قرب الملاعب، تخريب ممتلكات، أو مواجهات بين جماهير متنافسة. أما اليوم فقد انتقلت مرحلة مهمة من صناعة التوتر إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لصورة أو مقطع فيديو أو رسالة تحريضية أن تنتشر في دقائق وتصل إلى آلاف الأشخاص، بما يضاعف احتمالات التأثير والتعبئة والانفعال الجماعي.

وتبرز هذه الواقعة أيضاً حجم التحول الذي عرفته المقاربة الأمنية المغربية في السنوات الأخيرة. فالتدخل لم يأت بعد وقوع أعمال عنف، بل نتيجة عملية رصد استباقية لمحتوى رقمي اعتُبر حاملاً لمؤشرات التهديد والتحريض. وهذا يعكس انتقالاً من منطق التدخل بعد وقوع الفعل إلى منطق الوقاية ومنع الخطر قبل تحوله إلى واقع ميداني. وهي فلسفة أصبحت حاضرة بقوة في السياسات الأمنية الحديثة عبر العالم، حيث لم يعد الأمن مرتبطاً فقط بحماية المجال العام، بل كذلك بمراقبة المخاطر الناشئة داخل الفضاء الإلكتروني.

وتكشف المعطيات المتداولة حول القضية بعداً آخر لا يقل أهمية، وهو الطابع العابر للحدود الذي بات يميز المحتويات الرقمية. فالأبحاث الأولية أظهرت أن مصدر المحتوى الأصلي يوجد خارج المغرب، وتحديداً بإحدى الدول الأوروبية، قبل أن تتم إعادة تداوله محلياً. هنا تتجلى إحدى أكثر الإشكالات تعقيداً في العصر الرقمي؛ إذ لم تعد الحدود الجغرافية قادرة على احتواء تدفقات المعلومات أو التحكم في سرعة انتشارها. شخص يقيم في دولة أوروبية يمكن أن ينشر محتوى يصل خلال ثوان إلى مدينة مغربية، وقد يساهم في صناعة توتر أو تعبئة أو استقطاب داخل سياق محلي لا يعيش تفاصيله بشكل مباشر.

ومن الناحية القانونية، تندرج مثل هذه القضايا ضمن النقاش المتزايد حول مسؤولية الأفراد عن المحتوى الذي ينشرونه أو يعيدون تداوله. فالعالم الرقمي لم يعد فضاءً افتراضياً منفصلاً عن الواقع، بل أصبح امتداداً له. ولذلك فإن التشريعات الحديثة في عدد كبير من الدول باتت تنظر إلى بعض الأفعال الرقمية باعتبارها أفعالاً قد تترتب عنها نتائج واقعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتحريض على العنف أو التهديد أو المساس بالأمن العام.

لكن خلف البعد الأمني والقانوني توجد أسئلة اجتماعية أكثر عمقاً. فظاهرة العنف المرتبط بكرة القدم لا تنشأ عادة من مباراة واحدة أو من منشور واحد. إنها غالباً نتيجة تراكمات اجتماعية ونفسية وثقافية معقدة. فبعض الفصائل المشجعة تحولت مع مرور الوقت إلى فضاءات للانتماء الجماعي والتعبير عن الهوية والبحث عن الاعتراف داخل المجتمع. وعندما تتداخل الحماسة الرياضية مع الإحباطات الاجتماعية أو مع ثقافة تمجيد القوة والمواجهة، يصبح احتمال الانزلاق نحو الخطابات العدوانية أكبر.

ولهذا السبب فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الجانب الزجري وحده، رغم أهميته في حماية الأمن العام. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الحد من العنف الرياضي يرتبط أيضاً بتطوير التربية الرياضية داخل المدارس، وتعزيز ثقافة التشجيع المسؤول، وتوفير فضاءات للتأطير والحوار مع الشباب، وتحويل روابط المشجعين من بؤر محتملة للتوتر إلى شريك في صناعة الفرجة الرياضية.

كما أن هذه القضية تعيد طرح سؤال العلاقة بين التكنولوجيا والمسؤولية. فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على التعبير والنشر والتأثير، لكنها في الوقت نفسه وضعتهم أمام مسؤولية أكبر تجاه ما يكتبون وينشرون. وبين حرية التعبير ورفض التحريض على العنف توجد منطقة دقيقة تتطلب وعياً قانونياً وأخلاقياً متزايداً لدى المستخدمين، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالأمن أو السلامة العامة.

ما حدث في وجدة ليس مجرد ملف أمني عابر، بل صورة مصغرة لتحولات أوسع يعيشها المجتمع المعاصر. فالملاعب لم تعد مجرد فضاءات رياضية، والهواتف لم تعد مجرد وسائل للتواصل، والمنشورات الرقمية لم تعد مجرد كلمات وصور تختفي في الفضاء الافتراضي. لقد أصبحت جميعها جزءاً من منظومة اجتماعية وأمنية متشابكة تتداخل فيها الرياضة بالتكنولوجيا، والحريات بالمسؤوليات، والانتماء الجماعي بضرورات السلم العام.

ويبقى السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الواقعة: إذا كانت الدولة قد طورت أدواتها لرصد المخاطر الرقمية والاستجابة لها، فهل نجح المجتمع بالقدر نفسه في بناء ثقافة رقمية تجعل الشباب يدركون أن ضغطة زر واحدة قد تتحول من مجرد منشور عابر إلى قضية أمنية وقانونية كاملة؟ ذلك أن مستقبل الملاعب قد لا يتحدد فقط بما يجري داخل المستطيل الأخضر، بل أيضاً بما يُكتب ويُنشر ويُتداول في الفضاء الأزرق الذي يسبق المباراة بوقت طويل.