فوزي لقجع بين نشوة الملاعب وصدمة الأرقام: من يحكم المغرب… كرة القدم أم فاتورة الديون؟

0
146

يمكن قراءة تدوينة أيوب الرضواني باعتبارها أكثر من مجرد تعليق على تصريحات وزير المالية فوزي لقجع بشأن كرة القدم وكأس إفريقيا والعالم، فهي في جوهرها محاولة لإعادة ترتيب أولويات النقاش العمومي في المغرب. فبينما تنشغل السلطة السياسية والاقتصادية بتسويق المشاريع الرياضية الكبرى باعتبارها رافعة للتنمية والصورة الدولية للمملكة، يطرح صاحب التدوينة سؤالا مغايرا: هل يمكن لكرة القدم، مهما بلغ بريقها، أن تتحول إلى بديل عن النقاش الحقيقي حول الديون والإنفاق العمومي والحكامة الاقتصادية؟

منذ سنوات، يعيش المغرب على إيقاع إنجازات رياضية غير مسبوقة، خاصة بعد الملحمة التاريخية للمنتخب الوطني في كأس العالم بقطر. وقد تحولت الرياضة، وبالخصوص كرة القدم، إلى أحد أهم عناصر القوة الناعمة للمملكة. غير أن الرضواني يحاول أن يكسر ما يعتبره «الإجماع العاطفي» حول هذا الملف، عبر العودة إلى قاعدة بسيطة مفادها أن الأمم لا تُقاس فقط بعدد الملاعب أو الألقاب، بل بقدرتها على توفير تعليم جيد وصحة منصفة وعدالة فعالة وفرص شغل تحفظ الكرامة. وهو هنا يستحضر، بشكل ضمني، التجارب الأوروبية التي لم تصل إلى زعامة كرة القدم إلا بعد أن حسمت معارك بناء الدولة الحديثة والمؤسسات الديمقراطية والتنمية البشرية.

القضية التي يثيرها النص لا تتعلق بكرة القدم في حد ذاتها، بل بطريقة توظيفها داخل الخطاب العمومي. فحين يصبح النقاش حول تنظيم كأس إفريقيا أو كأس العالم أكثر حضورا من النقاش حول المديونية أو الخدمات العمومية، تظهر مخاوف جزء من الرأي العام من أن تتحول الرياضة إلى أداة لصناعة الإجماع السياسي بدل أن تبقى مجالا للفرجة والترفيه. وهنا تبرز إحدى الإشكالات الكلاسيكية في العلوم السياسية: هل تستخدم الدول الأحداث الرياضية الكبرى كوسيلة للتنمية أم كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الرمزية؟

التدوينة تنتقل بعد ذلك إلى الملف الاقتصادي، وهو الجزء الأكثر كثافة فيها. فالكاتب لا يناقش فقط حجم الدين العمومي، بل يطرح أسئلة حول فلسفة الاقتراض نفسها وكيفية تدبيره. صحيح أن الأرقام الواردة في التدوينة تحتاج دائما إلى التدقيق والرجوع إلى الوثائق الرسمية، غير أن جوهر الإشكال الذي يثيره يبقى حاضرا بقوة داخل النقاش الاقتصادي المغربي: إلى أي حد أصبح الدين وسيلة لتمويل الاستثمار المنتج، وإلى أي حد تحول إلى آلية لإعادة تمويل ديون سابقة وخدمة التزامات قائمة؟ هذا السؤال يشغل خبراء الاقتصاد في مختلف دول العالم، لأن الخطر لا يكمن في وجود الدين بحد ذاته، بل في نوعية المشاريع التي يمولها وقدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل مستقبلا.

كما يثير النص قضية توزيع أعباء الدين بين الحاضر والمستقبل. فحين تتراكم القروض طويلة الأمد، يصبح النقاش متعلقا بالعدالة بين الأجيال، أي بحق الأجيال القادمة في عدم تحمل أعباء قرارات مالية لم تشارك في اتخاذها. وهذه من أكثر القضايا حساسية في الفكر الاقتصادي المعاصر، لأنها تتجاوز لغة الأرقام نحو سؤال أخلاقي يتعلق بمن يدفع ثمن الخيارات العمومية ومن يجني ثمارها.

وفي جزء آخر من التدوينة، ينتقل الرضواني إلى ملف إصلاح المؤسسات العمومية وتحويل بعضها إلى شركات مساهمة. بالفعل، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة مسارا لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وفي هذا الإطار صادقت الحكومة والبرلمان على مشاريع قوانين تروم تحويل بعض المؤسسات إلى شركات مساهمة، من بينها المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، في سياق إصلاح أوسع للقطاع العام وتحسين الحكامة وتعبئة التمويلات.

غير أن النقاش حول هذه الإصلاحات لا ينحصر في بعدها التقني. فهناك من يرى فيها تحديثا ضروريا لرفع النجاعة الاقتصادية وجلب الاستثمارات وتحسين الأداء، بينما يخشى آخرون أن تكون مقدمة لتراجع دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية. وبين هذين الموقفين، يظل السؤال الحقيقي مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات الدستورية وآليات الرقابة البرلمانية والمجتمعية على ضمان أن يبقى المرفق العمومي خادما للمصلحة العامة مهما تغير شكله القانوني.

ما يمنح هذه التدوينة قوة انتشارها ليس فقط ما تتضمنه من أرقام أو اتهامات أو أسئلة، بل لأنها تعكس توترا أعمق داخل المجتمع المغربي بين منطقين مختلفين. الأول يركز على المشاريع الكبرى والصورة الدولية وجذب الاستثمار، والثاني يطالب بإعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي الحقيقة، لا يوجد تعارض حتمي بين المنطقين؛ فالدول الناجحة هي التي استطاعت الجمع بين الإنجازات الرمزية الكبرى وبين تحسين شروط الحياة اليومية للمواطنين.

في النهاية، لا تكمن أهمية تدوينة أيوب الرضواني في موقفها من فوزي لقجع أو من كرة القدم أو حتى من المديونية، بل في السؤال الذي تضعه أمام الرأي العام: كيف يمكن للمجتمع أن يوازن بين الفخر الوطني الذي تصنعه الإنجازات الكبرى وبين حق المواطنين في معرفة تفاصيل الخيارات الاقتصادية التي تُتخذ باسمهم؟ ذلك أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما ترفعه من كؤوس، ولا بما تبنيه من ملاعب، بل أيضا بقدرتها على جعل كل درهم من المال العام موضوعا للنقاش والمساءلة والثقة. وحينها فقط يصبح الانتصار الرياضي امتدادا لانتصار أوسع حققته الدولة في التعليم والصحة والاقتصاد والعدالة، لا بديلا عنها.