أحكام “إسكوبار الصحراء”.. حين يقارن المغاربة بين شغب الشارع ونهب الدولة
لم يكن الحكم الصادر في ملف “إسكوبار الصحراء” مجرد نهاية لمحاكمة استأثرت باهتمام الرأي العام المغربي منذ أواخر سنة 2023، بل كان لحظة أعادت فتح نقاش أكبر بكثير من أسماء المتهمين أو عدد سنوات العقوبة. فقد تابع المغاربة قضية امتزجت فيها السياسة والمال والرياضة وشبهات الاتجار الدولي في المخدرات واستغلال النفوذ، لذلك لم تكن الأحكام الصادرة في حق سعيد الناصري بعشر سنوات سجنا نافذا، وعبد النبي بعيوي باثنتي عشرة سنة، وبقية المتابعين، مجرد أرقام قانونية، بل تحولت مباشرة إلى موضوع للنقاش العمومي حول فلسفة العقاب، وحدود الردع، ورسالة العدالة إلى المجتمع.
منذ الساعات الأولى لصدور الأحكام، انقسمت ردود الفعل بين من رأى أن القضاء قال كلمته وفق القانون وما راكمه الملف من حجج وقرائن، وبين من اعتبر أن العقوبات لا تعكس، في نظره، حجم التهم التي راجت حول القضية وما ارتبط بها من اتهامات خطيرة مست مؤسسات الدولة والثقة العامة. وهذا النقاش، في حد ذاته، مشروع داخل المجتمع الديمقراطي، شريطة ألا يتحول إلى تشكيك في استقلال القضاء أو إصدار أحكام موازية خارج المؤسسات.
غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط مضمون الأحكام، وإنما المقارنة التي انتشرت بقوة في الشارع المغربي وبين رواد مواقع التواصل الاجتماعي. فهناك من استحضر ملفات الشغب الرياضي أو أعمال العنف التي تورط فيها شباب في الملاعب أو الشوارع، وتساءل: إذا كانت أفعال الشغب، رغم خطورتها، غالبا ما تصدر عن شباب اندفعوا في لحظة غضب أو تهور، فإن القضايا التي تتعلق بشبكات منظمة، أو باستغلال النفوذ، أو بالاتجار الدولي في المخدرات، أو بالاعتداء على المال العام والثقة في المؤسسات، تبدو في نظر هؤلاء أكثر خطورة لأنها لا تستهدف فردا بعينه، بل قد تمس صورة الدولة واقتصادها وأمنها.
هذه المقارنة تعكس شعورا متزايدا لدى فئات من المواطنين بأن الجرائم ليست متساوية في آثارها. فالشغب قد يخلف خسائر مادية وبشرية مؤلمة، لكنه يظل فعلا آنيا في كثير من الحالات، بينما ترتبط جرائم الفساد والجريمة المنظمة، إذا ثبتت قضائيا، بخسائر ممتدة تمس الاستثمار، والاقتصاد، وثقة المواطن في الإدارة، وسمعة البلاد خارجيا، وقد تستغرق آثارها سنوات طويلة قبل معالجتها.
ولهذا يطرح كثيرون سؤالا يتجاوز هذا الملف: هل ينبغي أن يكون الردع في الجرائم المرتبطة بالنفوذ والجريمة المنظمة أشد من الردع في الجرائم التقليدية؟ وهل يشعر المواطن بأن العدالة تطبق المعيار نفسه على الجميع، مهما كانت مواقعهم الاجتماعية أو السياسية؟
من الناحية القانونية، لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالعاطفة وحدها. فالقاضي لا يحكم وفق ما يتداوله الرأي العام، وإنما وفق النصوص القانونية، والأدلة، والوقائع التي ثبتت أثناء المحاكمة، مع مراعاة ظروف كل متهم، ودرجة مساهمته في الأفعال المنسوبة إليه، والدفوع التي قدمها الدفاع، وما انتهت إليه المحكمة من اقتناع. ولذلك فإن الحكم القضائي لا يقاس فقط بعدد السنوات، بل أيضا بالتكييف القانوني للوقائع وبمدى ثبوتها وفق قواعد المحاكمة العادلة.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن العدالة لا تؤدي وظيفة قانونية فقط، بل تؤدي أيضا وظيفة اجتماعية ورمزية. فكل حكم يصدر في قضية ذات صدى واسع يبعث برسالة إلى المجتمع حول حدود التسامح مع الجريمة، وحول قدرة الدولة على حماية مؤسساتها ومكافحة الفساد والجريمة المنظمة. ومن هنا تأتي حساسية هذا النوع من الملفات، لأنها لا تتعلق بمصير المتهمين وحدهم، وإنما بصورة الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها.
وتجارب العديد من الدول أظهرت أن الجرائم المرتبطة بالفساد أو الاتجار الدولي بالمخدرات أو غسل الأموال أصبحت تعامل باعتبارها تهديدا للأمن القومي وللاقتصاد الوطني، وليس مجرد جرائم جنائية تقليدية، لأن آثارها تمتد إلى تعطيل التنمية، وإضعاف المنافسة الاقتصادية، وتشويه صورة المؤسسات، وتغذية شبكات النفوذ غير المشروع.
وفي المغرب، حيث جعلت الدولة من تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والجريمة المنظمة خيارا استراتيجيا، فإن الرأي العام أصبح يتابع مثل هذه القضايا بقدر كبير من الحساسية، منتظرا أن يرى انسجاما بين الخطاب الرسمي الداعي إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وبين الأحكام التي تصدر في القضايا الكبرى. وهذا لا يعني التدخل في عمل القضاء أو تقييم أحكامه بمعايير شعبوية، وإنما يعكس تطلعا مجتمعيا إلى عدالة يراها المواطن قوية في مواجهة كل من يسيء استعمال السلطة أو يستفيد من النفوذ خارج القانون.
إن القضية، في نهاية المطاف، ليست قضية عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، وليست منافسة بين ملفات الشغب وملفات الفساد، بل هي سؤال أعمق يتعلق بالثقة. فكلما شعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع بالصرامة نفسها، ازدادت ثقته في مؤسسات الدولة، وكلما اتسعت الفجوة بين توقعات المجتمع والأحكام التي يتلقاها الرأي العام، عاد النقاش حول فلسفة العقاب والردع إلى الواجهة.
ولهذا، فإن ملف “إسكوبار الصحراء” لن ينتهي بخروج المتهمين من قاعة المحكمة، بل سيبقى محطة قانونية وسياسية واجتماعية تدفع المغاربة إلى إعادة طرح السؤال الذي يصاحب كل القضايا الكبرى: كيف يمكن للعدالة أن توازن بين احترام القانون وضمان المحاكمة العادلة، وبين ترسيخ الإحساس المجتمعي بأن حماية الدولة وثقة المواطنين فيها تستحق أقصى درجات الردع كلما تعلق الأمر بجرائم تمس المصلحة العامة؟