في الصين… لم يكن محمد أوزين يبحث عن تجربة زراعية، بل عن مستقبل المغرب

0
151

هناك مشاهد لا تُلتقط بالكاميرا، لأنها لا تظهر في الصورة، وإنما تُدرك بالفكرة. وحين وقف محمود أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وسط حقول الصين الحديثة، لم تكن عيناه تتأملان فقط جرارا ذاتي القيادة أو روبوتا يحصد المحاصيل أو تعاونية فلاحية تدير آلاف الهكتارات بذكاء اصطناعي؛ كان، على الأرجح، يرى صورة أخرى أبعد من ذلك بكثير… صورة المغرب كما يمكن أن يكون، لا كما هو اليوم.

ففي بلد أصبح فيه خبر تأخر المطر يتصدر نشرات الأخبار، ويؤثر في أسعار الخضر واللحوم والحبوب، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت قضية أمن قومي. ولم يعد السؤال: كم سننتج هذا الموسم؟ بل: كيف سنؤمن غذاء المغاربة بعد عشر سنوات إذا ظل المطر هو المستثمر الأول في الفلاحة المغربية؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي حملته زيارة أوزين إلى الصين، حتى وإن لم يُنطق به صراحة.

لقد اعتاد المغاربة، منذ سنوات، أن يسمعوا عن استراتيجيات فلاحية، ومخططات طموحة، وأرقام بالمليارات، غير أن الواقع ظل يفرض أسئلته الثقيلة كلما تأخر الغيث. فالجفاف لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من المعادلة المناخية الجديدة. والقمح ما زال يأتي من الخارج، والماشية تتراجع في سنوات القحط، والأسواق تتأثر بأي اضطراب دولي، بينما يجد الفلاح الصغير نفسه في مواجهة الطبيعة أكثر مما يجد إلى جانبه التكنولوجيا.

هنا بالضبط، تبدأ القصة.

ليست قصة زيارة سياسية إلى دولة صديقة، وليست قصة وفد حزبي يجول بين المشاريع التنموية، بل قصة بحث عن إجابة لسؤال يؤرق كل دولة تريد أن تحافظ على سيادتها في القرن الحادي والعشرين: كيف يصبح الغذاء قرارا وطنيا، لا رهينة للمناخ ولا للأسواق الدولية؟

من هذه الزاوية، تتغير قراءة زيارة محمد أوزين تماما. فالرجل لم يتوقف، في تصريحاته، عند ضخامة المدن الصينية أو سرعتها الصناعية، بل اختار أن يتحدث عن التعاونيات الفلاحية، والزراعة الذكية، والروبوتات، والميكنة، والابتكار. وقد يبدو ذلك، لأول وهلة، مجرد انبهار بتقدم تكنولوجي، لكن القراءة الهادئة تكشف أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

فالسياسي، في العادة، يرى الحدث. أما رجل الدولة، فيحاول أن يرى ما بعد الحدث.

ولعل ما لفت انتباه أوزين لم يكن الآلة نفسها، وإنما الفلسفة التي تقف وراءها. فالصين لم تصبح قوة فلاحية لأنها تملك أراضي أكثر من غيرها، ولا لأنها تنعم بأمطار أغزر من سواها، بل لأنها قررت منذ عقود أن تنقل الفلاحة من منطق الاعتماد على الجهد العضلي إلى منطق إنتاج المعرفة. هناك، لم يعد الفلاح يعمل وحده؛ يعمل إلى جانبه الباحث، والمهندس، والمبرمج، والروبوت، والأقمار الصناعية، والبيانات الضخمة، في منظومة واحدة لا تترك شيئا للصدفة.

وهنا يبرز السؤال الذي ربما لم يطرحه أحد بعد: هل كان محمد أوزين يزور الصين ليتعرف على تجربة ناجحة… أم كان يبحث عن النموذج الذي يحتاجه المغرب بعد أن بلغت الفلاحة التقليدية حدودها القصوى؟

ذلك السؤال هو الذي يجعل هذه الزيارة تتجاوز بعدها البروتوكولي، لتتحول إلى مادة تستحق القراءة، لا بوصفها خبرا عابرا، وإنما باعتبارها مؤشرا على تحول في طريقة التفكير. لأن الأمم لا تتقدم فقط حين تغير حكوماتها، بل حين تغير الأسئلة التي تطرحها على نفسها.

وإذا كانت الصين قد نجحت في تحويل التعاونيات من مجرد إطار لتنظيم الفلاحين إلى مؤسسات تجمع التكنولوجيا والتمويل والبحث العلمي والتسويق في منظومة واحدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل آن الأوان لكي يبدأ المغرب هو الآخر ثورته الفلاحية من المكان نفسه الذي بدأت منه الصين: من العقل، قبل الحقل؟

من المجاعة إلى الذكاء الاصطناعي… لماذا أصبحت الصين مدرسة في الأمن الغذائي؟

يصعب على من يرى الصين اليوم، بقطاراتها فائقة السرعة ومدنها العملاقة ومصانعها التي تغزو أسواق العالم، أن يتخيل أن هذا البلد نفسه كان، قبل عقود قليلة فقط، يخوض واحدة من أصعب معاركه مع الجوع. لم تكن المشكلة آنذاك نقص الإرادة، بل محدودية الموارد، واتساع رقعة السكان، وضغط الحاجة اليومية إلى توفير الغذاء لمئات الملايين من البشر.

كانت الصين تعرف أن أي إخفاق في الزراعة ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل تهديد لاستقرار الدولة نفسها. ولذلك لم تتعامل مع الفلاحة باعتبارها قطاعاً إنتاجياً فحسب، وإنما باعتبارها قضية سيادة وطنية، لا تقل أهمية عن الصناعة أو الدفاع أو التكنولوجيا.

من هنا بدأ التحول.

لم تسأل بكين: كيف نزرع أكثر؟ بل سألت سؤالاً أكثر ذكاءً: كيف نجعل كل متر مربع ينتج أكثر، وكل قطرة ماء تحقق قيمة أكبر، وكل فلاح يمتلك المعرفة قبل أن يمتلك الجرار؟

ذلك السؤال هو الذي غيّر وجه الريف الصيني.

ففي الوقت الذي كانت فيه دول كثيرة توسع المساحات المزروعة، كانت الصين توسع حدود العلم داخل الحقول. دخلت الجامعات إلى المزارع، وانتقلت المختبرات إلى القرى، وأصبحت التكنولوجيا شريكاً للفلاح، لا ترفاً خاصاً بالشركات الكبرى. ولم تعد التعاونية مجرد مكان يجتمع فيه المنتجون، بل أصبحت مؤسسة تجمع التمويل، والتكوين، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والتسويق، وسلاسل التصدير في منظومة واحدة.

وهنا تكمن الفكرة التي تستحق التأمل.

فالآلة ليست هي التي صنعت المعجزة الصينية، بل العقل الذي قرر أن يجعل الآلة في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه.

حين شاهد محمد أوزين الروبوتات الزراعية تتحرك بين الحقول، لم يكن المشهد مجرد عرض تكنولوجي يثير الإعجاب. كانت تلك الروبوتات، في معناها العميق، تعلن نهاية مرحلة كاملة من التفكير الزراعي التقليدي. فهي لا تحرث الأرض فقط، بل تجمع البيانات، وتقيس الرطوبة، وتحلل التربة، وتحدد كمية المياه والأسمدة التي يحتاجها كل جزء من الحقل بدقة قد تعجز عنها العين البشرية.

وفي المقابل، كان السؤال المغربي يفرض نفسه بصمت.

كم مرة ما زالت قرارات السقي عندنا تُبنى على التقدير الشخصي؟ وكم مرة يضيع الماء لأن التكنولوجيا لم تصبح بعد جزءاً من الثقافة الفلاحية اليومية؟ وكم فلاحاً ما زال يقيس الموسم بعينيه، بينما يقيسه العالم اليوم بالأقمار الصناعية والخوارزميات؟

ليست هذه مقارنة بين بلدين، وإنما مقارنة بين طريقتين في التفكير.

الصين لم تنتصر على الجوع لأنها كانت أوفر حظاً من غيرها، بل لأنها قررت أن المعرفة الزراعية لا تقل قيمة عن الأرض نفسها. فالأرض وحدها لا تُنتج الأمن الغذائي، كما أن الأمطار وحدها لا تصنع السيادة الغذائية. الذي يصنعها هو الإنسان حين ينجح في تحويل العلم إلى محصول.

ولعل هذه هي النقطة التي استوقفت محمد أوزين أكثر من غيرها. فهو ابن العالم القروي، القادم من حزب ارتبط تاريخياً بالفلاحين والقرى والجبال. لذلك لم يكن غريباً أن يتوقف عند التعاونيات، لأنها تمثل، في جوهرها، فكرة قريبة من الفلسفة التي نشأت عليها الحركة الشعبية: تنظيم الجهد الجماعي، وتقوية الفلاح الصغير، وربط التنمية بالمجال القروي.

لكن ما رآه في الصين أضاف بعداً جديداً لهذه الفكرة.

فالتعاونية هناك لم تعد تعني مجرد تضامن بين الفلاحين، بل أصبحت شركة معرفة، تُدار بالعقل قبل أن تُدار بالمحراث، وتُقاس فيها الإنتاجية بكمية البيانات بقدر ما تُقاس بكمية المحاصيل.

وهنا بدأ السؤال يتغير.

لم يعد السؤال: لماذا نجحت الصين؟

بل أصبح: لماذا لا يستطيع المغرب أن يبني نموذجاً مغربياً مستلهماً من هذه التجربة، يراعي خصوصياته المناخية والاجتماعية، ويجعل من التكنولوجيا سلاحاً في مواجهة الجفاف بدل الاكتفاء بانتظار الأمطار؟

وربما، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن النقاش يدور حول زيادة الدعم أو رفع الميزانيات أو إطلاق مخطط جديد، بل حول شيء أكثر عمقاً: تغيير طريقة التفكير نفسها.

من زيارة إلى رؤية… هل يبدأ المستقبل من الحقل؟

في السياسة، تمر آلاف الزيارات الرسمية كل عام، ثم تُطوى صفحاتها بمجرد انتهاء بياناتها الصحفية. لكن بعض الزيارات تترك أثرًا لأنها لا تعود بالصور فقط، بل تعود بأسئلة جديدة.

وهذا، على الأرجح، ما يجعل زيارة محمد أوزين إلى التعاونيات الفلاحية في الصين مختلفة عن غيرها.

فاللافت في الرجل أنه لم يتوقف عند الأبراج الشاهقة، ولا عند المصانع العملاقة، ولا عند مظاهر القوة الاقتصادية التي اعتاد الزائرون الانبهار بها. اختار أن يذهب إلى الحقل، إلى المكان الذي تبدأ منه حياة الناس، حيث يُصنع الأمن الغذائي قبل أن تُصنع الثروة.

قد يرى البعض في ذلك مجرد محطة ضمن برنامج زيارة حزبية. لكن القراءة الهادئة تقول إن الرسالة كانت أعمق. فحين يضع أمين عام حزب سياسي، يقود حزبًا ارتبط تاريخيًا بالعالم القروي، قضية الزراعة الذكية والتعاونيات الحديثة في صدارة اهتمامه، فإنه لا يتحدث عن موسم فلاحي، بل عن نموذج تنموي كامل يستحق أن يناقشه المغرب.

ولعل أهم ما حمله محمد أوزين من الصين لم يكن صورة روبوت يحرث الأرض، ولا آلة تحصد القمح دون سائق، بل قناعة مفادها أن معركة الغذاء في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بكثرة الأمطار، وإنما بكثرة المعرفة. وأن الفلاح الذي كان ينتظر الغيث، أصبح اليوم في دول كثيرة ينتظر نتائج تحليل البيانات، وصور الأقمار الصناعية، وتوصيات الذكاء الاصطناعي قبل أن يتخذ قرار الزراعة أو السقي.

وهنا يصبح السؤال مغربيًا بامتياز.

هل يملك المغرب من الكفاءات والجامعات والمهندسين والخبرات ما يؤهله لبناء نموذج وطني للزراعة الذكية؟ الجواب، في أغلب المؤشرات، نعم.

وهل يملك الإرادة لجعل التكنولوجيا تصل إلى الفلاح الصغير، لا أن تبقى حكرًا على الضيعات الكبرى؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

ربما لن يأتي الجواب من زيارة واحدة، ولا من حزب واحد، ولا من حكومة واحدة. فالأمن الغذائي أكبر من أن يُختزل في ولاية حكومية أو في برنامج انتخابي. إنه مشروع دولة، تتكامل فيه السياسات العمومية، والبحث العلمي، والجامعة، والقطاع الخاص، والتعاونيات، والفلاح نفسه.

لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن بعض الزيارات تفتح أبوابًا لم تكن مطروقة، وبعض الأسئلة، حين تُطرح في الوقت المناسب، تصبح أكثر قيمة من الأجوبة الجاهزة.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم هو: ماذا رأى محمد أوزين في الصين؟

بل ربما السؤال الذي يستحق أن يطرحه المغاربة على أنفسهم هو: هل آن الأوان لأن تنتقل الفلاحة المغربية من انتظار السماء إلى الاستثمار في المعرفة؟

فإذا كان القرن الماضي قد علّم الدول كيف تنتج الغذاء، فإن القرن الحادي والعشرين يعلّمها كيف تُنتج السيادة. والسيادة، في عالم تتقاطع فيه الأزمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية، لا تبدأ من الموانئ التي تستقبل السفن المحملة بالحبوب، بل من الحقول التي تستطيع أن تطعم أبناء الوطن بثقة، مهما تغيرت الفصول وتقلبت الأسواق.

وربما هنا، بالضبط، تكمن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة. ليس لأنها قدمت حلولًا جاهزة، ولكن لأنها أعادت طرح السؤال الذي تأخر المغرب كثيرًا في طرحه: كيف نجعل الفلاحة مشروعًا للمعرفة قبل أن تكون مشروعًا للإنتاج؟

حينها فقط، لن يكون ما عاد به محمد أوزين من الصين مجرد انطباعات عن تجربة ناجحة، بل بذرة فكرة… والأفكار الكبرى، مثل البذور، لا تُقاس بحجمها يوم تُزرع، وإنما بما يمكن أن تصبح عليه حين تجد الأرض التي تؤمن بها.