ما بعد الدخان.. هل يتعلم الشرق الأوسط فن الهدوء أم يستريح قبل الحرب التالية؟

0
33
هل تمثل التهدئة الحالية في الشرق الأوسط بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار، أم أنها مجرد هدنة تسبق جولة أخرى من الصراعات؟ مقال تحليلي فلسفي يستكشف مستقبل المنطقة في ظل التحولات الإقليمية والدولية، ويقرأ احتمالات السلام وتحدياته بمنظور استراتيجي عميق.
إحدى الغارات على إيران خلال الحرب الأخيرة - صورة من الإنترنت

في السياسة، لا يكون الهدوء دائمًا علامة على انتهاء العاصفة، كما أن الضجيج ليس الدليل الوحيد على اقترابها. هناك لحظات يختفي فيها صوت المدافع، لكن خرائط المصالح تظل تتحرك بصمت، وتستمر المفاوضات في رسم حدود القوة كما كانت الحروب تفعل من قبل. ومن هنا، فإن التهدئة التي تشهدها بعض جبهات الشرق الأوسط اليوم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية لمرحلة مضطربة، بل باعتبارها سؤالًا مفتوحًا عن شكل المنطقة التي تتشكل في الخفاء، بعيدًا عن عناوين الأخبار اليومية.

فالشرق الأوسط لم يكن في يوم من الأيام مجرد مسرح للصراعات، بل كان دائمًا مختبرًا لفكرة التوازن نفسها. ففي هذه البقعة من العالم تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، وتتداخل اعتبارات الأمن مع الاقتصاد، وتتحول الجغرافيا إلى لاعب سياسي لا يقل تأثيرًا عن الدول. ولهذا، فإن كل هدنة تُعقد، وكل حوار يبدأ، وكل قناة اتصال تُفتح بين خصوم الأمس، لا تعكس بالضرورة انتصار طرف على آخر، وإنما تعبر عن إدراك متزايد بأن استمرار الصراع المفتوح أصبح أكثر كلفة من البحث عن صيغ جديدة لإدارته.

خلال العامين الماضيين، شهدت المنطقة سلسلة من التحولات المتسارعة. فالجبهات التي كانت مشتعلة بدرجات متفاوتة بدأت تعرف إيقاعًا مختلفًا؛ مفاوضات هنا، واتفاقات هناك، ورسائل متبادلة بين خصوم لم يكن أحد يتوقع أن يجلسوا إلى طاولة واحدة. ولا يعني ذلك أن أسباب الصراع اختفت، بل ربما يعني أن تكلفة استمرارها أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها.

هذه هي الفكرة التي كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام. فالدول لا تتجه إلى التهدئة لأنها اكتشفت فجأة فضائل السلام، وإنما لأنها تصل، بعد حساب طويل، إلى قناعة بأن الحرب لم تعد تحقق المكاسب التي كانت تحققها في السابق.

لقد تغير العالم من حول الشرق الأوسط. فالقوى الكبرى أصبحت أكثر انشغالًا بمنافسات عالمية تمتد من أوروبا الشرقية إلى المحيطين الهندي والهادئ. كما أن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل بسهولة اضطرابات متكررة في الممرات البحرية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وأصبحت الاستثمارات والتنمية عنصرًا لا يقل أهمية عن الجيوش في قياس قوة الدول.

من هنا، تبدو التهدئة بالنسبة إلى كثير من العواصم خيارًا عقلانيًا أكثر منها تنازلًا سياسيًا.

لكن التاريخ يعلمنا أن الهدوء ليس دائمًا مقدمة للسلام. فقد يكون مجرد استراحة لإعادة ترتيب الصفوف. والفرق بين الحالتين تصنعه السياسة، لا السلاح.

وإذا ظلت الملفات الجوهرية معلقة، فإن الهدنة تتحول إلى هدنة مؤجلة الانفجار. أما إذا استُثمرت في بناء تفاهمات أوسع، فإنها قد تصبح بداية لتحول حقيقي.

ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو أن معظم الأطراف باتت تتحدث عن التنمية أكثر مما تتحدث عن المواجهة. وهذا ليس تحولًا لغويًا فقط، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المجتمعات التي أنهكتها الحروب أصبحت تطالب بحياة طبيعية قبل أي شيء آخر.

فالمدن لا تعيش بالشعارات، بل بالمدارس والمستشفيات والموانئ والجامعات وفرص العمل. والدول التي تستنزف مواردها في صراعات مفتوحة تكتشف، بعد سنوات، أن خصمها الحقيقي لم يكن الدولة الأخرى، بل الزمن الذي سبقها في سباق التنمية.

ومع ذلك، فإن التفاؤل المفرط ليس حكيمًا. فالشرق الأوسط لا يزال يحمل داخله عناصر توتر كثيرة. القضية الفلسطينية لم تجد تسوية نهائية. والأزمات في بعض الدول لم تُحسم بالكامل. والتنافس الإقليمي لم يختف، بل تغيرت أدواته. كما أن القوى الدولية لا تزال ترى في المنطقة مساحة مؤثرة في أمن الطاقة والتجارة العالمية.

لذلك، فإن احتمال عودة التوتر يبقى قائمًا دائمًا، خصوصًا إذا تعثرت المفاوضات أو تغيرت الحسابات الداخلية في إحدى الدول الرئيسية.

لكن ثمة فارقًا مهمًا بين الماضي والحاضر. ففي العقود السابقة، كانت الحرب تُعد أداة مقبولة لتحقيق أهداف سياسية. أما اليوم، فقد أصبحت الحرب نفسها تحمل تكلفة اقتصادية وسياسية وإعلامية يصعب تجاهلها. حتى الدول المنتصرة عسكريًا تجد نفسها مطالبة بإدارة أعباء الإعمار والاستقرار وإعادة الثقة، وهي مهام قد تكون أكثر تعقيدًا من القتال ذاته.

وربما لهذا السبب تتزايد أهمية الدبلوماسية. فهي ليست نقيض القوة، بل إحدى صورها الأكثر نضجًا. فالدولة القادرة على حماية مصالحها عبر التفاوض لا تقل قوة عن الدولة القادرة على حمايتها بالسلاح، بل قد تكون أكثر قدرة على ضمان استقرار طويل الأمد.

وفي هذا السياق، يبرز دور القوى الإقليمية الكبرى. فاستقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بقرار تصدره قوة عظمى، بل عبر تفاهمات تصوغها دول المنطقة نفسها، لأنها الأكثر إدراكًا لتعقيداتها والأكثر تأثرًا بنتائجها. وكلما اتسعت دوائر الحوار الإقليمي، تقلصت الحاجة إلى إدارة الأزمات عبر التدخلات الخارجية.

الفلسفة القديمة كانت تقول إن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور العدالة والنظام. وربما لا يزال هذا التعريف صالحًا حتى اليوم. فالهدوء الذي لا يستند إلى مؤسسات قوية، واقتصادات منتجة، وثقة متبادلة، يظل هدوءًا هشًا يمكن أن تبدده شرارة واحدة.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة ليس: متى تنتهي الحروب؟ بل: كيف تُبنى بيئة تجعل العودة إليها خيارًا غير منطقي؟

إن المستقبل لا يُصنع بالصدفة، وإنما بتراكم القرارات الصغيرة التي تتجه في الاتجاه نفسه. وإذا نجحت دول الشرق الأوسط في تحويل التهدئة الحالية إلى مشروع للتعاون الاقتصادي، وربط المصالح، وتوسيع مساحات الحوار، فقد تكون المنطقة أمام مرحلة تختلف عن العقود السابقة.

أما إذا بقيت التهدئة مجرد إدارة مؤقتة للأزمات، فإن الدخان الذي انقشع اليوم قد يعود غدًا بصورة أكثر كثافة.

وفي النهاية، ربما تكون الحكمة السياسية الأقرب إلى واقع الشرق الأوسط هي أن السلام لا يولد عندما تتوقف البنادق عن إطلاق النار، بل عندما تقتنع الدول بأن المستقبل الذي تبنيه مع جيرانها أثمن من أي انتصار يمكن أن تحققه ضدهم. وعندها فقط، يتحول الهدوء من هدنة عابرة إلى ثقافة، ومن استثناء تفرضه الظروف إلى قاعدة تصنعها الإرادة.