بين ملف علي المرابط وأسئلة المرحلة… عزيز الدروش يقرأ ما وراء الحدث ويختبر ملامح التحول السياسي في المغرب

0
103

لا يتوقف عزيز الدروش، المحلل والفاعل السياسي، عند الجانب القانوني لقضية الصحفي علي المرابط، بل يدعو إلى قراءة أوسع تتجاوز تفاصيل الملف القضائي لتلامس طبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب. فالفكرة المركزية التي يبني عليها تحليله لا تتمثل في الجزم بوجود تحول سياسي، وإنما في اعتبار أن بعض الأحداث، مهما بدت قانونية في ظاهرها، قد تتحول إلى مؤشرات تستحق التفكيك لأنها قد تحمل رسائل سياسية أو مؤسساتية تتجاوز أطراف القضية نفسها.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة الدروش لا تنشغل بإدانة أو تبرئة، ولا تنطلق من فرضيات جاهزة، وإنما تطرح سؤالاً أكبر: هل أصبحنا أمام لحظة سياسية جديدة تعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة، والفضاء العمومي، والإعلام، والمعارضة، والمجتمع؟ وهو سؤال لا يقدم له الكاتب جواباً نهائياً، بل يتركه مفتوحاً باعتباره مدخلاً للتفكير في طبيعة التحولات التي قد تكون بصدد التشكل.

عندما يصبح الحدث القانوني مادة لقراءة سياسية

يرى عزيز الدروش أن توقيت عودة علي المرابط إلى المغرب، رغم إدراكه المسبق – وفق تصريحاته – لاحتمال تعرضه للمساءلة القانونية، ليس تفصيلاً عابراً. فاختيار التوقيت، في نظره، يستحق التوقف لأنه قد يعكس رهانات سياسية أو إعلامية أو شخصية، كما أن طريقة تعامل السلطات مع الملف، وخاصة قرار متابعته في حالة سراح، تفتح الباب أمام أكثر من قراءة دون القطع بأي منها.

وهنا لا يدعي الدروش امتلاك الحقيقة، بل يميز بوضوح بين الوقائع الثابتة وبين التأويلات الممكنة، وهو تمييز يعكس منهجاً يقوم على الحذر في التعامل مع الملفات الحساسة، ويجنب القارئ الوقوع في فخ تحويل الفرضيات إلى حقائق.

الرسائل التي يحاول الكاتب التقاطها

الرسالة الأساسية التي يحاول عزيز الدروش تفكيكها هي أن الملفات القضائية، في بعض الأحيان، لا تُقرأ فقط بمنطق النصوص القانونية، وإنما أيضاً بمنطق البيئة السياسية التي تظهر فيها.

فهو يطرح احتمالين متقابلين:

الأول، أن تكون القضية مجرد تطبيق عادي للمساطر القانونية، دون أي حمولة سياسية.

أما الثاني، فهو أن يكون تدبير الملف يحمل رسائل موجهة إلى الصحفيين، والمدونين، وصناع المحتوى، والمعارضين، مفادها أن الفضاء الرقمي لم يعد فضاءً منفصلاً عن المساءلة القانونية.

ولا يحسم الكاتب بين الاحتمالين، بل يترك للقارئ فرصة التفكير، وهو ما يجعل مقاله أقرب إلى إثارة الأسئلة منه إلى تقديم الأحكام.

من قضية فردية إلى سؤال الدولة والمجتمع

ما يميز طرح عزيز الدروش أنه لا يتوقف عند شخص علي المرابط، بل يحاول تحويل القضية إلى مدخل لطرح سؤال أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة تتسم بتحولات إقليمية ودولية متسارعة.

ففي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً من المجال السياسي، لم تعد قضايا التعبير والإعلام معزولة عن رهانات الأمن والاستقرار والصورة الدولية للدول. ولذلك يلمح الكاتب إلى أن كل قرار في مثل هذه الملفات قد يُقرأ داخلياً وخارجياً، سواء كان المقصود بذلك أم لا.

وهنا تتجاوز القضية بعدها الفردي لتصبح جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية إدارة التوازن بين سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، والمحافظة على الاستقرار المؤسسي.

أزمة الأحزاب… الرسالة الأعمق في المقال

وربما تكمن أكثر أفكار عزيز الدروش إثارة للنقاش في انتقاله من قضية علي المرابط إلى تشخيصه لوضع الأحزاب السياسية المغربية.

فهو يرى أن جزءاً من النقاش العمومي أصبح يعتبر أن الأحزاب فقدت قدرتها على التأثير في الخيارات الاستراتيجية للدولة، وتحولت – بحسب توصيفه وتحليله – إلى أدوات انتخابية ينحصر دورها في التنافس على المقاعد والمناصب، بينما تبقى الملفات الكبرى خارج دائرة تأثيرها.

ويحرص الكاتب على تقديم هذا الطرح باعتباره رأياً متداولاً بين عدد من المتابعين والباحثين، وليس حقيقة محسومة، وهو ما يمنح مقاله قدراً من التوازن في عرض وجهات النظر.

غير أن الرسالة الضمنية تبدو واضحة: الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود انتخابات دورية، وإنما أيضاً بوجود مؤسسات وسيطة قوية، وأحزاب قادرة على إنتاج السياسات، وتأطير المواطنين، والمساهمة في رسم الخيارات الوطنية الكبرى.

التنمية السياسية شرط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية

وتقود أفكار عزيز الدروش إلى سؤال يتجاوز السياسة بمعناها الضيق: هل يمكن تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة في ظل ضعف الوساطة السياسية؟

فالاستثمار، والثقة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الدولة للمبادرات، كلها ترتبط بوجود مؤسسات تتمتع بالمصداقية والفعالية. وعندما يشعر المواطن بأن المؤسسات التمثيلية محدودة التأثير، تتراجع الثقة في المشاركة السياسية، ويتسع المجال أمام العزوف، وتتأثر جودة النقاش العمومي.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يطرحه الدروش لا يتعلق فقط بملف صحفي أو بجدل سياسي، بل يلامس إحدى الإشكالات البنيوية المرتبطة بالحكامة، وجودة المؤسسات، وقدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

الأسئلة الاستراتيجية التي يستخلصها المقال

ومن خلال تحليل أفكار عزيز الدروش، تبرز مجموعة من الأسئلة الكبرى التي تستحق النقاش:

  • هل تشكل قضية علي المرابط مجرد ملف قانوني، أم أنها ستُقرأ لاحقاً كجزء من سياق سياسي أوسع؟

  • كيف يمكن التمييز بين التطبيق العادي للقانون وبين التأويلات السياسية التي ترافق بعض القضايا ذات الحساسية الإعلامية؟

  • هل ما زالت الأحزاب المغربية قادرة على لعب دورها الدستوري في التأطير والاقتراح وصناعة السياسات؟

  • كيف يمكن تعزيز الثقة في المؤسسات السياسية بما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟

  • وهل تحتاج المرحلة المقبلة إلى تجديد العلاقة بين الدولة، والمجتمع، والفاعلين السياسيين والإعلاميين؟

خاتمة

ينتهي تحليل عزيز الدروش بخلاصة تحمل بعداً إصلاحياً أكثر مما تحمل حكماً سياسياً. فهو يعتبر أن بناء دولة قوية، وديمقراطية، وعادلة، لا يمكن أن يتحقق إذا كانت المؤسسات والأحزاب تعاني من اختلالات مثل الفساد أو الاستبداد أو الظلم أو ضعف الحكامة، وهي خلاصة يقدمها باعتبارها رؤيته السياسية وتحليله الخاص.

وبهذا المعنى، فإن قيمة المقال لا تكمن في تقديم أجوبة نهائية، بل في قدرته على تحويل قضية آنية إلى مناسبة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل الحياة السياسية المغربية، ودور المؤسسات، وحدود الفاعل الحزبي، والعلاقة بين القانون والسياسة. إنها قراءة تحليلية تستند إلى أفكار عزيز الدروش، وتضعها في سياق أشمل يربط بين التحولات السياسية، ومتطلبات التنمية، ورهانات بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، مع التأكيد على أن ما يورده الكاتب من فرضيات وتحليلات يبقى في إطار الرأي والتقدير السياسي، لا في إطار الوقائع المثبتة أو الاستنتاجات القطعية.