لم يعد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران يدور حول توجيه ضربات رمزية أو رسائل ردع محدودة، بل يبدو أنه دخل مرحلة جديدة عنوانها استهداف البنية التحتية ذات القيمة العملياتية. فالضربات الأمريكية التي طالت جسورًا ومنشآت لوجستية، بالتزامن مع هجمات إيرانية استهدفت دولًا حليفة لواشنطن في الخليج والأردن وسوريا، تعكس انتقال الصراع من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى إضعاف قدرة الخصم على الحركة والإمداد وإدارة المعركة.
أولًا: لماذا أصبحت الجسور هدفًا عسكريًا؟
في العقيدة العسكرية الحديثة، لا تمثل الجسور مجرد منشآت مدنية، بل تعد عقدًا لوجستية تربط مراكز القيادة بالموانئ والقواعد العسكرية وشبكات الإمداد.
وعندما تختار الولايات المتحدة ضرب هذه البنية، فإنها لا تستهدف تعطيل الحركة اليومية فحسب، وإنما تسعى إلى إبطاء قدرة إيران على نقل القوات والمعدات والذخائر، ورفع كلفة العمليات العسكرية، خاصة في المحافظات الجنوبية المرتبطة بمضيق هرمز والموانئ الرئيسية. وتشير تقارير حديثة إلى أن الضربات الأمريكية توسعت بالفعل لتشمل جسورًا وبنية نقل ومرافق ملاحية ضمن حملة أوسع على البنية التحتية.
ثانيًا: الرد الإيراني يكشف تغيرًا في مفهوم الردع
في المقابل، فإن توسيع إيران نطاق هجماتها ليشمل أهدافًا في الخليج والأردن وسوريا يحمل رسالة استراتيجية مختلفة.
فطهران تسعى إلى نقل تكلفة الحرب من داخل حدودها إلى البيئة الإقليمية التي تستند إليها الولايات المتحدة في عملياتها العسكرية، في محاولة لإظهار أن أي هجوم أمريكي لن يبقى محصورًا داخل الأراضي الإيرانية.
وبذلك يتحول الردع من معادلة ثنائية بين واشنطن وطهران إلى معادلة إقليمية تشمل قواعد عسكرية وشركاء وحلفاء وممرات بحرية، وهو تطور يزيد من تعقيد إدارة الأزمة.
ثالثًا: الخليج يدخل مرحلة “الأمن المركب”
تكشف التطورات الأخيرة أن أمن الخليج لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو المنشآت النفطية.
فالتهديدات أصبحت تشمل: الموانئ، شبكات الطاقة، الملاحة البحرية، سلاسل الإمداد، البنية الرقمية، وحركة التجارة الدولية.
وهذا يعني أن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يؤثر في اقتصادات المنطقة حتى لو لم تتعرض منشآتها النفطية لضربات مباشرة.
رابعًا: هل تغيرت استراتيجية إدارة ترامب؟
تشير المؤشرات إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتبنى مقاربة مختلفة عن مراحل سابقة من المواجهة.
فبدلًا من التركيز على المواقع العسكرية التقليدية فقط، تتجه واشنطن نحو توسيع “بنك الأهداف” ليشمل البنية اللوجستية التي تدعم القدرة الإيرانية على مواصلة القتال، مع الحفاظ على ضغط اقتصادي وعسكري متزامن.
ويعكس ذلك محاولة لإجبار طهران على رفع كلفة استمرار المواجهة، دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب برية واسعة.
خامسًا: ما الذي تريده إيران؟
في المقابل، تبدو طهران حريصة على تجنب صورة الطرف المنكفئ، ولذلك تحاول إثبات أن لديها القدرة على الرد خارج حدودها، وأنها تستطيع تهديد المصالح الأمريكية وشركائها في أكثر من ساحة.
لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب خطوات قد تؤدي إلى مواجهة شاملة يصعب احتواء تداعياتها اقتصاديًا وعسكريًا.
ومن هنا، فإن السلوك الإيراني يعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب الانفجار الكامل.
سادسًا: أخطر ما في المرحلة الحالية
لا تكمن خطورة الأزمة في عدد الضربات المتبادلة، وإنما في اتساع رقعة الاشتباك.
فكلما توسعت دائرة الأهداف لتشمل دولًا جديدة أو بنى تحتية مدنية أو ممرات بحرية استراتيجية، ارتفع خطر سوء التقدير، وهو العامل الذي قاد في أزمات تاريخية عديدة إلى حروب لم يكن أي من أطرافها يخطط لها في البداية.
ولهذا، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى صراع على إدارة التصعيد أكثر من كونها صراعًا على تحقيق انتصار عسكري حاسم.
المُحصلة: إعادة رسم قواعد الردع
تكشف الضربات الأمريكية على البنية التحتية الإيرانية، والردود الإيرانية على أهداف إقليمية، أن المواجهة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد تبادل الضربات العسكرية.
فالطرفان يحاولان إعادة رسم قواعد الردع، لكنهما يفعلان ذلك في منطقة تضم أهم ممرات الطاقة العالمية وأكثرها حساسية.
ولهذا، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بما يحدث داخل إيران أو في القواعد الأمريكية، بل أيضًا بقدرة القوى الإقليمية والدولية على منع انتقال الصراع من حرب استنزاف محسوبة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تكون تداعياتها الاقتصادية والسياسية أوسع بكثير من حدود ميدان القتال.


