حين يصبح المهاجر هو المتهم الأسهل… جنوب إفريقيا تبحث عن حلول لأزمتها الداخلية في وجوه الأفارقة

0
98

لم تعد أزمة الهجرة في جنوب إفريقيا مجرد ملف أمني يتعلق بمراقبة الحدود أو بتنظيم الإقامة، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق يعيشها أكبر اقتصاد صناعي في القارة الإفريقية. فخلال أقل من شهرين، غادر أكثر من 160 ألف مهاجر البلاد، في واحدة من أكبر موجات النزوح العكسي التي شهدتها المنطقة منذ سنوات، ليس فقط بسبب تشديد الإجراءات الحكومية، وإنما أيضاً تحت ضغط مناخ اجتماعي بات يضيق بالأجانب، ويحوّلهم تدريجياً إلى “المتهم الأول” في كل أزمة داخلية.

هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تحكي وحدها القصة. فالقراءة الأكثر عمقاً تكشف أن جنوب إفريقيا لا تواجه فقط أزمة هجرة، بل تعيش لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القانون والغضب الشعبي، وبين الخطاب الرسمي الذي يدافع عن دولة المؤسسات، والشارع الذي يحاول فرض عدالته الخاصة.

فبحسب المعطيات المعلنة، غادر البلاد منذ نهاية شهر ماي أكثر من 160 ألف مهاجر، من بينهم أكثر من 108 آلاف من زيمبابوي، ونحو 46 ألفاً من ملاوي، إضافة إلى آلاف القادمين من موزمبيق ودول إفريقية أخرى. وقد جرت عمليات العودة بتنسيق مع حكومات بلدانهم، التي وفرت مئات الحافلات لإعادة مواطنيها، في مشهد بدا أقرب إلى عملية إجلاء جماعية منه إلى برنامج اعتيادي للعودة الطوعية، خصوصاً بعدما أسفرت الرحلات عن وفاة عدد من الأشخاص أثناء التنقل.

غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط حجم المغادرين، بل المناخ الذي سبق مغادرتهم. فقد تصاعدت خلال الأسابيع الماضية حملات شعبية تتهم المهاجرين غير النظاميين بالاستحواذ على فرص الشغل، واستنزاف الخدمات الاجتماعية، والمساهمة في ارتفاع معدلات الجريمة، في بلد تتجاوز فيه البطالة ثلاثين في المائة، ويعيش ملايين المواطنين تحت ضغط اقتصادي واجتماعي متزايد.

هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

فعندما يعجز الاقتصاد عن خلق فرص كافية، وتتعثر السياسات العمومية في تقليص الفوارق الاجتماعية، يصبح البحث عن “خصم قريب” أكثر سهولة من مواجهة الأسباب البنيوية للأزمة. والمهاجر، بحكم هشاشة وضعه القانوني والاجتماعي، يتحول سريعاً إلى الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها مسؤولية اختلالات تراكمت عبر سنوات من البطء الاقتصادي، وضعف الاستثمار، واتساع فجوة اللامساواة.

ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول بعض الاحتجاجات إلى ممارسات تجاوزت القانون، بعدما عمدت مجموعات محلية إلى اقتحام مساكن المهاجرين، وإجبار أشخاص على إبراز وثائقهم، وتسليم بعضهم إلى الشرطة، وكأن جزءاً من المجتمع قرر أن يمارس وظائف الدولة بنفسه.

وهنا تكمن أخطر الرسائل التي تحملها الأزمة.

فالدولة التي تحتكر، نظرياً، سلطة تطبيق القانون، وجدت نفسها أمام محاولات شعبية لسحب هذا الاختصاص منها. ولذلك كان خطاب حكومة سيريل رامابوزا حريصاً على إرسال رسالتين متوازيتين في الوقت نفسه: الأولى تؤكد أن الهجرة غير النظامية ستواجه بحزم، والثانية تشدد على أن مكافحة هذه الظاهرة ليست مهمة المواطنين ولا لجان الأحياء، بل مسؤولية المؤسسات الأمنية والقضائية وحدها.

ولعل تشكيل لجنة وزارية خاصة للهجرة، وإطلاق خطة إصلاح تشمل تشديد مراقبة الحدود، وتسريع الترحيل، وسد الثغرات القانونية، وتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، يعكس إدراك السلطة أن الأزمة تجاوزت بعدها الأمني، وأصبحت تمس هيبة الدولة نفسها.

لكن هذه المقاربة لا تلغي معضلة أخرى أكثر حساسية.

فجنوب إفريقيا تحاول باستمرار الفصل بين تطبيق قوانين الهجرة وبين الاتهامات المتكررة بـ”رهاب الأفارقة”. غير أن هذا الفصل يبدو أكثر صعوبة على المستوى السياسي والإعلامي مما هو عليه في الخطاب الرسمي. فحين تتكرر الاعتداءات على مهاجرين أفارقة، ويتحول مجرد الانتماء إلى دولة مجاورة إلى سبب للاشتباه أو الاستهداف، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام الإفريقي بأن ما يحدث مجرد تطبيق للقانون، وليس تعبيراً عن نزعة إقصائية تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها مرحلة ما بعد الفصل العنصري.

ومن هنا خرجت الأزمة من الإطار الوطني إلى الفضاء الإفريقي.

فمطالبة عدد من الدول بإدراج ملف “الأفروفوبيا” على جدول أعمال الاتحاد الإفريقي لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل رسالة سياسية مفادها أن استهداف المواطنين الأفارقة داخل أكبر دولة اقتصادية في القارة يهدد أحد أهم مشاريع التكامل الإفريقي، القائم على حرية التنقل والتعاون بين الشعوب. كما أن تسارع زيمبابوي وملاوي وموزمبيق إلى تنظيم عودة رعاياها، وتأجيل غانا زيارة رئاسية كانت مبرمجة إلى بريتوريا، يعكسان أن القضية لم تعد شأناً داخلياً، بل أصبحت تمس صورة جنوب إفريقيا الإقليمية.

والمفارقة أن الدولة التي كانت، لعقود، تقدم نفسها رمزاً للتحرر من التمييز العنصري، تجد نفسها اليوم مطالبة بالدفاع عن نفسها في مواجهة اتهامات بالتمييز ضد أفارقة مثلها.

إنها مفارقة سياسية وأخلاقية في آن واحد.

غير أن القراءة الأعمق تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في المهاجرين ولا في الخطاب الشعبي، بل في هشاشة العقد الاجتماعي داخل جنوب إفريقيا. فحين يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الشغل والأمن والخدمات، يبدأ البحث عن بديل نفسي يفسر الإخفاقات اليومية، وغالباً ما يكون هذا البديل هو “الآخر” القادم من الخارج.

إنه منطق عرفته دول كثيرة عبر التاريخ، حيث تتحول الهجرة، في أوقات الأزمات الاقتصادية، إلى ملف انتخابي وشعبي أكثر منها قضية قانونية أو إنسانية.

لكن التجارب نفسها أثبتت أيضاً أن تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات لا يعالج جذورها، بل يؤجل مواجهتها، ويضيف إليها انقسامات اجتماعية جديدة يصعب احتواؤها لاحقاً.

ولهذا تبدو جنوب إفريقيا اليوم أمام امتحان يتجاوز إدارة الحدود أو تنظيم الإقامة. فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرتها على حماية سيادة القانون من جهة، ومنع تحوّل الغضب الشعبي إلى سلطة موازية من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورتها كدولة دستورية قامت على رفض كل أشكال الإقصاء والتمييز.

فالأسئلة التي تفرض نفسها لم تعد تتعلق بعدد المهاجرين الذين غادروا البلاد، ولا بعدد الذين سيُرحّلون خلال الأسابيع المقبلة، بل بما إذا كانت بريتوريا ستنجح في معالجة جذور أزمتها الاقتصادية والاجتماعية، أم أن المهاجر سيظل، في كل مرة، العنوان الأسهل لأزمةٍ أعمق بكثير من الحدود والهويات.