لم تعد أزمة سبتة، بعد موجة العبور الجماعي التي شهدتها نهاية يوليوز، مجرد ملف هجرة جديد يضاف إلى الملفات المفتوحة بين المغرب وإسبانيا. ما حدث نقل النقاش إلى منطقة أكثر حساسية: من يتحمل مسؤولية ما وقع عندما يتحول عبور مئات القاصرين إلى أزمة إنسانية وأمنية تتجاوز قدرة مدينة بحجم سبتة على الاستيعاب؟
الرباط اختارت، في هذه المرحلة، أن تقدم جواباً واضحاً على الجزء الأخير من الأزمة. المغرب، وفق الرسالة المنسوبة إلى مصدر دبلوماسي مغربي والتي تناقلتها وسائل إعلام إسبانية، مستعد لاستقبال القاصرين المغاربة الذين تم تحديد هوياتهم، والتنسيق مع إسبانيا وشركائها الأوروبيين من أجل إعادتهم. كما أشارت الرسالة إلى أن هذا الانخراط يتم وفق «تعليمات ملكية سامية» موجهة إلى وزارتي الداخلية والخارجية، بهدف تحديد هوية القاصرين غير المصحوبين وإعادتهم إلى بلدهم.
ظاهرياً، تبدو الرسالة حاسمة: المغرب يقول إنه لا يغلق الباب أمام استعادة أبنائه، بل يؤكد استعداده للتعاون معهم. لكن وراء هذه الصياغة الدبلوماسية توجد نقطة أكثر أهمية؛ فالرباط لا تقدم نفسها هنا باعتبارها الطرف الذي يرفض استعادة القاصرين، وإنما باعتبارها الطرف الذي يطالب بإدارتهم ضمن إطار التعاون الثنائي.
وهذه ليست تفصيلاً لغوياً.
فالمغرب، بهذا الخطاب، يحاول نقل مركز النقاش من سؤال «هل سيستعيد المغرب هؤلاء القاصرين؟» إلى سؤال آخر: «هل تتعامل إسبانيا مع آلية الإعادة وفق القانون والاتفاقات الثنائية؟». وهذا تحول مهم في طبيعة المعركة السياسية والإعلامية التي بدأت تتشكل حول أزمة سبتة.
فالرسالة المغربية لا تكتفي بإعلان الاستعداد للتعاون، وإنما ترفض أيضاً، بصورة غير مباشرة، الاتهام المتكرر بأن الرباط تفتقر إلى الإرادة في استقبال القاصرين المغاربة. وهي تقول، في جوهرها، إن مشكلة الإعادة ليست بالضرورة في موقف المغرب، بل في كيفية ترجمة هذا الموقف إلى إجراءات قانونية ومؤسساتية على الجانب الإسباني.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.
فالواقع الميداني في سبتة أكثر تعقيداً بكثير من البيان الدبلوماسي. المدينة وجدت نفسها أمام أعداد ضخمة من الوافدين، بينهم مئات القاصرين، واضطرت إلى استخدام مدارس ومنشآت ومراكز إضافية لإيوائهم، بينما دخلت السلطات الإسبانية في عمليات تحديد الهوية والتسجيل والتحقق من السن والبحث في الوضع الفردي لكل حالة.
وبحسب المعطيات المتداولة في الإعلام الإسباني، تجاوز عدد القاصرين الذين جرى تسجيل ملفاتهم 1300، فيما لا تزال المدينة تواجه ضغطاً استثنائياً على منظومة الاستقبال والحماية.
لكن الرقم، مهما كان كبيراً، ليس هو القصة كلها.
القصة الحقيقية تبدأ قبل وصول هؤلاء الأطفال إلى مراكز الإيواء.
لأن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط: ماذا ستفعل إسبانيا بهؤلاء القاصرين؟ ولا حتى: هل سيستعيدهم المغرب؟ وإنما: كيف تمكنت موجة بهذا الحجم من الوصول أصلاً إلى سبتة؟
هذا هو السؤال الذي يختفي تقريباً عندما ينتقل النقاش بسرعة إلى ملف الإعادة.
فمن السهل سياسياً التعامل مع مرحلة ما بعد العبور: تحديد الهوية، التسجيل، الإيواء، دراسة الملفات، ثم بحث إمكان العودة. أما المرحلة التي سبقت ذلك، أي الظروف التي سمحت بخروج هذا العدد الكبير من الأشخاص ووصولهم إلى المدينة، فهي أكثر حساسية لأنها تفتح النقاش على مسؤولية الحدود، وعلى فعالية الرقابة، وعلى طبيعة ما جرى في 30 و31 يوليوز.
وهنا تحديداً يظهر التناقض الذي يصعب تجاهله.
المغرب يقول اليوم إنه مستعد لاستعادة القاصرين.
لكن الأزمة الإسبانية بدأت لأن هؤلاء القاصرين تمكنوا أصلاً من الوصول إلى الجانب الآخر.
والفارق بين السؤالين هو الفارق بين إدارة النتائج ومنع الأسباب المباشرة للنتائج.
لا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل ما حدث كان مخططاً أو أن الدولة المغربية تعمدت دفع القاصرين إلى سبتة. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة لا يوفرها النص المعروض. لكن غياب الدليل على التخطيط لا يلغي السؤال السياسي حول كيفية حدوث الانفجار، ولا يلغي حق الطرف الإسباني في التساؤل عن مستوى السيطرة على الجانب المغربي من الحدود.
وفي الاتجاه المقابل، فإن تحميل المغرب وحده مسؤولية كل ما حدث سيكون تبسيطاً لا يقل خطورة؛ لأن أزمة القاصرين بعد وصولهم إلى الأراضي الإسبانية تخضع أيضاً لمنظومة قانونية لا تسمح بتحويلهم إلى مجرد «أشخاص يجب إعادتهم» بمجرد تحديد جنسيتهم.
وهنا تصبح الاتفاقية المغربية الإسبانية الموقعة سنة 2007 مفتاحاً أساسياً لفهم النقاش.
فالوثيقة، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2012، تنص على التعاون في الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم، لكنها لا تنص على عملية ترحيل جماعي آلية. بل تؤكد أن العودة تتم مع احترام القانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، وأن السلطات الإسبانية تتخذ القرار في كل حالة، مع مراعاة المصلحة الفضلى للقاصر. كما تنص على أن الطرفين يتفقان مسبقاً بشأن الحالات التي يمكن أن تكون موضوع عودة وبشأن عدد القاصرين المعنيين.
وهذا التفصيل القانوني مهم لأنه يضع حداً لخطاب سياسي قد يوحي بأن وجود اتفاق ثنائي يعني تلقائياً أن جميع القاصرين يمكن إعادتهم دفعة واحدة.
الاتفاقية تقول شيئاً أكثر تعقيداً: هناك تعاون، وهناك التزام بإيجاد آليات للعودة، لكن هناك أيضاً إجراءات وضمانات وحالات فردية.
ومن هنا يمكن فهم سبب دخول السلطات الإسبانية في مرحلة تحديد الهوية والتحقق من السن ودراسة الملفات قبل تنفيذ أي عودة.
فالطفل في القانون ليس رقماً في أزمة حدودية.
وهذا هو الجزء الذي يصعب على الخطاب السياسي اختزاله.
في المقابل، فإن استمرار بقاء مئات أو أكثر من القاصرين في سبتة يضع المدينة أمام أزمة عملية حقيقية. فالقدرة الاستيعابية لمؤسسات الحماية ليست بلا حدود، والمدارس التي تحولت إلى فضاءات مؤقتة للإيواء لا تستطيع أن تكون حلاً دائماً، كما أن نقل جزء من القاصرين إلى شبه الجزيرة لا يحل جوهر المشكلة، بل يوزعها جغرافياً.
وهنا دخل العامل السياسي الإسباني على الخط بقوة.
حزب فوكس قدم في البرلمان الإسباني مقترحاً يطالب بإعادة القاصرين الذين دخلوا سبتة يومي 30 و31 يوليوز إلى المغرب، وبوقف نقلهم إلى شبه الجزيرة، مستنداً إلى اتفاق 2007، كما طالب باستكمال إجراءات تحديد السن والملفات الفردية قبل أي قرار نهائي. وفي الوقت نفسه، ذهب الحزب أبعد من الجانب القانوني عندما وصف ما جرى بأنه «حرب هجينة» من خلال توظيف الهجرة غير النظامية.
لكن يجب التمييز هنا بين الواقعة السياسية والتوصيف السياسي.
مطالبة فوكس بإعادة القاصرين موقف سياسي موثق، أما وصف ما حدث بأنه «حرب هجينة» فهو تفسير سياسي للأحداث، وليس حقيقة قضائية محسومة. وحتى داخل النقاش الإسباني نفسه، هناك من يرى في ما حدث ضغطاً غير عسكري على الحدود، بينما يحذر آخرون من اختزال أزمة الهجرة في مصطلح عسكري لا يمكن إثباته بمجرد حدوث عبور جماعي.
وهذه النقطة بالذات تكشف أن أزمة سبتة بدأت تتجاوز ملف القاصرين.
فالأطفال أصبحوا في قلب أزمة أكبر تتعلق بالثقة بين دولتين، وبأمن الحدود، وبقدرة كل طرف على إدارة ملف حساس دون تحويله إلى ورقة ضغط سياسية.
المغرب يريد أن يقول: نحن مستعدون لاستعادة مواطنينا والتعاون مع إسبانيا.
إسبانيا، أو جزء من خطابها السياسي، يرد بسؤال آخر: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا وصلوا بهذا العدد الكبير أصلاً؟
وبين الجملتين توجد المسافة الحقيقية التي لم تغلقها البيانات الدبلوماسية.
ذلك أن التعاون في إعادة القاصرين لا يعالج تلقائياً السؤال المتعلق بالحدود، كما أن التشدد في مراقبة الحدود لا يلغي الالتزامات القانونية تجاه القاصرين بعد وصولهم إلى الأراضي الإسبانية.
الأزمة، في جوهرها، ليست بين خيارين بسيطين: إما إعادة الأطفال أو إبقاؤهم في إسبانيا.
إنها أزمة متعددة الطبقات: حدودية، وإنسانية، وقانونية، ودبلوماسية، وسياسية.
والأخطر أن كل طبقة منها بدأت تستخدم الأخرى لتفسيرها.
فحين تقول الرباط إنها مستعدة لاستقبال القاصرين، فهي تدافع عن صورة شريك متعاون.
وحين تركز أصوات إسبانية على عدم ضبط الجانب المغربي للعبور، فهي تضع التعاون الأمني موضع مساءلة.
وحين يطالب فوكس بإعادتهم ووقف نقلهم إلى شبه الجزيرة، فهو يحول الأزمة الإنسانية إلى معركة سياسية حول السيادة والهجرة.
أما سبتة نفسها، فتظل في المنتصف؛ مدينة صغيرة تتحمل عملياً نتائج أزمة تتجاوز حجمها الجغرافي والإداري.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن للخطاب الدبلوماسي ولا للخطاب الحزبي أن يدفنه إلى الأبد:
هل يكفي أن تتفق الرباط ومدريد على إعادة القاصرين بعد وصولهم، إذا بقي السؤال الأكبر بلا جواب: كيف سمحت الظروف أصلاً بعبور هذا العدد الكبير في وقت قصير؟
ذلك السؤال ليس اتهاماً للمغرب، ولا تبرئة لإسبانيا، ولا حكماً مسبقاً على ما حدث.
إنه ببساطة السؤال الذي يسبق كل الأسئلة الأخرى.
لأن إعادة طفل إلى بلده قد تعالج مصيره الفردي، لكنها لا تفسر لماذا وصل.
وإيواء طفل في مدرسة أو مركز استقبال قد يحل أزمة الساعات والأيام، لكنه لا يمنع تكرارها.
أما البيانات التي تتحدث عن التعاون، مهما كانت ضرورية، فلن تكون كافية وحدها إذا لم يصاحبها نقاش صريح حول ما حدث على الحدود، ومنظومة الوقاية، وآليات التنسيق، والمسؤولية السياسية عن منع تكرار مشهد جعل سبتة مدينة بكاملها تبدو وكأنها تستقبل أزمة أكبر من قدرتها على الاحتمال.
في النهاية، يبدو أن الرباط ومدريد اتفقتا، على الأقل في الخطاب، على ضرورة معالجة ما بعد العبور.
لكن ما لم يظهر بعد هو الاتفاق على رواية مشتركة بشأن ما قبل العبور.
وهناك تحديداً يكمن السؤال الأصعب، والأكثر حساسية، والأكثر أهمية لفهم أزمة سبتة: ليس فقط من سيعيد الأطفال، وإنما من سيمنع المشهد من أن يتكرر؟