شكّل إعلان مظلوم عبدي في 25 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، حلّ قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة نقطة تحول كبيرة في المشهد السوري، إذ جاء القرار بعد استكمال عملية دمج القوات والمؤسسات التابعة لها في مؤسسات الدولة السورية، وفق الاتفاق المبرم مع دمشق. وقال عبدي إن المرحلة الجديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سوريا، بينما يرتبط مستقبل هذا الاندماج بمدى قدرة دمشق على ضمان الحقوق السياسية والثقافية للأكراد، وفي مقدمتها التعليم باللغة الكردية.
ولا تقتصر أهمية الخطوة على الجانب العسكري، فهي تعني عملياً إنهاء تجربة الإدارة الذاتية التي حكمت مناطق واسعة من شمال شرق سوريا بصورة شبه مستقلة خلال سنوات الحرب، ونقل مسؤولياتها إلى مؤسسات الدولة المركزية. وفي المقابل، حصلت القيادات الكردية على مساحة للمشاركة داخل مؤسسات الدولة؛ إذ عُيّن عبدي لاحقاً مستشاراً للرئاسة السورية، في مؤشر على أن التسوية لا تقوم فقط على تفكيك البنية العسكرية لـ «قسد»، وإنما على إعادة دمج جزء من قيادتها في النظام السياسي والأمني الجديد.
من جانبه، قال المحلل السياسي والمتخصص في الشؤون الكردية، إبراهيم كابان، في تصريحات لـ المغرب الآن، إن ما حدث ليس مجرد إعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية، بل يمثل لحظة مفصلية في المسار الكردي السوري. فقد أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية وتشكيلاتها واندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة تفتح مرحلة سياسية جديدة أمام المنطقة والكرد.
وأضاف كابان: “لكن قراءة هذا التطور بمنطق «الانتصار أو الهزيمة» وحده ستكون قراءة ناقصة. صحيح أن الكرد خسروا واحدة من أهم أوراق القوة التي امتلكوها خلال السنوات الماضية، وهي وجود قوة عسكرية مستقلة فرضت معادلة سياسية وعسكرية على دمشق، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية القضية الكردية أو نهاية المكاسب التي تحققت خلال المرحلة السابقة. ما حدث ينقل المسألة من الجغرافيا والسلاح إلى السياسة والدستور والمؤسسات”، وفق تصريحاته.
كما قال إن المسألة الأساسية الآن ليست فقط لماذا حُلت «قسد»، بل ماذا حصل الكرد في المقابل؟، فإذا كان الاندماج سيقود إلى دولة سورية تعددية تعترف بالهوية الكردية وحقوقها، وتضمن الحقوق اللغوية والثقافية والتمثيل السياسي والإدارة المحلية، وتحمي الخصوصية السكانية لمناطق الكرد، فإن الانتقال من قوة قائمة بحكم الأمر الواقع إلى مؤسسات الدولة يمكن أن يتحول من خسارة عسكرية إلى مكسب سياسي وقانوني.
وتابع: “أما الخطر الحقيقي فيكمن في أن يتحول الاندماج إلى مجرد تفكيك للمؤسسات والقوة الكردية من دون بناء ضمانات سياسية ودستورية واضحة. فالمشكلة ليست في مبدأ وجود جيش وطني واحد داخل دولة موحدة، وإنما في طبيعة الدولة التي ستحتضن هذا الجيش، وفي مدى قدرتها على الاعتراف بالتنوع السوري وتحويل الحقوق الكردية من تفاهمات سياسية مؤقتة إلى حقوق دستورية ومؤسساتية ثابتة”.
وأضاف: “هنا تصبح المرحلة المقبلة أكثر أهمية من المرحلة التي انتهت اليوم. فبعد انتهاء مرحلة القوة العسكرية المستقلة، ستُقاس قدرة الكرد على حماية مصالحهم بمدى قدرتهم على بناء قوة سياسية ومجتمعية ومؤسساتية حقيقية، وتنظيم صفوفهم، وإنتاج خطاب سياسي جديد، والانتقال من إدارة الجغرافيا إلى التأثير في الدولة والدستور ومؤسسات الحكم”.
كذلك صرح إبراهيم كابان قائلاً: “في هذا السياق تبرز قامشلو بصورة خاصة. فإذا لم تعد هناك إدارة ذاتية مستقلة ولا قوة عسكرية مستقلة، فإن أهمية قامشلو كمركز سياسي وثقافي ومجتمعي للكرد ستزداد. ويمكن أن تتحول إلى مركز سياسي رئيسي في شمال شرقي سوريا، ليس من خلال الانفصال عن الدولة، وإنما من خلال حضور سياسي ومؤسساتي قوي داخل سوريا الجديدة. وهذا يتطلب بناء مؤسسات مدنية، وتعزيز المجتمع المدني، وتطوير النخب السياسية والثقافية والاقتصادية، وإعادة تعريف العلاقة بين الكرد والدولة السورية على أساس الشراكة لا التبعية”.
وأضاف: “لذلك فإن إعلان مظلوم عبدي حل «قسد» يمكن اعتباره نهاية مرحلة، لكنه ليس بالضرورة نهاية القضية الكردية. لقد انتهت مرحلة اعتمدت بدرجة كبيرة على القوة العسكرية والإدارة القائمة بحكم الأمر الواقع، وبدأت مرحلة جديدة سيكون عنوانها الحقيقي: هل يستطيع الكرد تحويل ما راكموه خلال سنوات الحرب إلى حقوق دستورية ومؤسسات سياسية راسخة داخل الدولة السورية؟”.
وأيضًا قال: “هنا سيحكم التاريخ على خطوة عبدي، لا من خلال حل «قسد» بحد ذاته، وإنما من خلال ما سيحصل عليه الكرد بعد هذا الحل. فإذا تحولت التضحيات والسنوات السابقة إلى اعتراف دستوري وحقوق سياسية وثقافية وإدارية حقيقية، فقد يكون ما حدث انتقالاً من حكم الأمر الواقع إلى الاعتراف القانوني. أما إذا جرى التخلي عن أوراق القوة من دون ضمانات واضحة، فإن الكرد يكونون قد فقدوا إحدى أهم أدواتهم قبل تثبيت البديل السياسي”.
واختتم تصريحاته منوهًا: “بذلك تدخل القضية الكردية في سوريا اليوم مرحلة مختلفة، أقل اعتماداً على السلاح وأكثر اعتماداً على السياسة والمؤسسات والدستور والمجتمع. وقد تكون هذه المرحلة أكثر صعوبة من المرحلة العسكرية، لكنها في الوقت نفسه قد تكون فرصة لإعادة بناء المشروع الكردي في سوريا على أسس سياسية ومؤسساتية أكثر استدامة”.


