ليست النفايات الملقاة على الأرصفة، ولا المقاعد العمومية المخربة، ولا مشاهد الفوضى المرورية التي تتكرر يومياً في شوارع المدن المغربية، مجرد تفاصيل عابرة في الحياة العامة. إنها مؤشرات صغيرة تكشف أحياناً عن أسئلة أكبر تتعلق بعلاقة المواطن بالفضاء العمومي، وبعلاقة الدولة نفسها بمفهوم المواطنة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يخصص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأياً كاملاً لموضوع السلوك المدني في الأماكن والفضاءات العمومية، باعتباره قضية تتجاوز الأخلاق الفردية لتلامس رهانات التنمية والاستقرار وجودة الحياة.
فالفضاء العمومي ليس مجرد شارع أو حديقة أو محطة حافلات أو إدارة عمومية. إنه المرآة التي تنعكس عليها صورة المجتمع بأكمله. وعندما تتراجع قواعد الاحترام داخل هذا الفضاء، فإن الأمر لا يتعلق فقط بسلوك شخصي معزول، بل بمؤشر على مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات، وعلى طبيعة التربية التي يتلقاها الأفراد، وعلى مدى نجاح السياسات العمومية في صناعة مواطن يشعر بأن الملك العام ملك له أيضاً وليس ملكاً مجهولاً لا مسؤولية تجاهه.
الأرقام التي كشف عنها البحث الميداني الذي أنجزه المجلس تبدو للوهلة الأولى متفائلة نسبياً. فغالبية المستجوبين ترى أن مستوى السلوك المدني مرتفع أو في طريقه إلى التحسن. غير أن القراءة المتأنية للمعطيات تقود إلى استنتاج مختلف؛ إذ إن المواطنين أنفسهم يضعون النظافة والتلوث وتخريب التجهيزات العمومية في مقدمة السلوكيات غير المدنية، تليها مظاهر العنف والتحرش والعدوانية، ثم الفوضى المرتبطة باستعمال الطريق واحترام قوانين السير.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمجتمع يعتبر أن السلوك المدني يتحسن، أن يسجل في الوقت نفسه هذا الحجم الكبير من الشكاوى المرتبطة بالنظافة والعنف والتخريب؟ أليس في ذلك اعتراف ضمني بأن الأزمة لا تزال قائمة، وأن التحسن المسجل يبقى محدوداً مقارنة بحجم التحديات؟
الحقيقة أن المشكل لا يكمن فقط في المواطن الذي يرمي الأزبال في الشارع أو الذي يخرب تجهيزاً عمومياً أو يتجاوز قانون السير، بل في منظومة متكاملة تنتج هذه السلوكيات أو تسمح باستمرارها. فالمدن التي تفتقر أحياناً إلى العدد الكافي من الحاويات، أو التي تعاني من هشاشة بعض البنيات التحتية، أو التي لا توفر فضاءات عمومية جذابة ومصانة بشكل جيد، تساهم هي الأخرى في إنتاج جزء من المشكلة. ولذلك فإن الحديث عن السلوك المدني لا يمكن أن يتحول إلى محاكمة للمواطن وحده، بل يجب أن يشمل مساءلة المؤسسات العمومية حول جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.
وتكشف تجارب دول عديدة أن احترام الملك العام لا يولد فقط من خلال العقوبات والزجر، بل من خلال شعور المواطن بأن هذا الملك العمومي يستحق الاحترام لأنه يقدم له خدمة حقيقية. فحين تكون الحديقة نظيفة وآمنة، وحين تكون وسائل النقل العمومي مريحة ومنظمة، وحين يشعر المواطن بأن الإدارة تحترمه وتتعامل معه بكرامة، يصبح الحفاظ على الفضاء العمومي جزءاً من السلوك الطبيعي. أما عندما يشعر بأن هذا الفضاء مهمل أو متروك أو لا يحقق له أي قيمة مضافة، فإن الرابط النفسي بينه وبين الملك العام يضعف تدريجياً.
من هنا تكتسب توصيات المجلس أهمية خاصة عندما يدعو إلى إرساء إطار موحد للعقوبات الإدارية، وإلى اعتماد عقوبات بديلة ذات طابع تربوي وإصلاحي مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو الدورات التكوينية. فالعقاب في الدول الحديثة لم يعد يهدف فقط إلى الردع، بل إلى إعادة إدماج الفرد داخل المجتمع وتحويل المخالف إلى مساهم في إصلاح الضرر الذي تسبب فيه.
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تطبيق القانون بشكل متساوٍ على الجميع. فالمواطن المغربي لا يشتكي فقط من غياب العقوبات، بل أحياناً من الانتقائية في تطبيقها. لذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء السلوك المدني سيظل ناقصاً إذا لم يقترن بمبدأ العدالة في تطبيق القانون، بحيث يشعر الجميع أن القواعد واحدة وأن احترام الفضاء العمومي ليس خياراً يخضع للمزاج أو للنفوذ أو للمكانة الاجتماعية.
وفي العمق، يبدو أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يحاول نقل النقاش من مستوى معالجة النتائج إلى مستوى معالجة الأسباب. فالسلوك المدني لا يبدأ في الشارع، بل يبدأ داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. هناك تتشكل القيم الأولى التي تحدد علاقة الفرد بالآخرين وبالمجال المشترك.

ولهذا السبب ركز التقرير على التربية باعتبارها إحدى أهم الرافعات. فالمواطنة ليست درساً نظرياً يلقن في المقررات الدراسية، بل ممارسة يومية يجب أن يعيشها الطفل داخل المدرسة نفسها. كيف يمكن إقناع التلميذ بالحفاظ على الملك العام إذا كان يشاهد يومياً مرافق تعليمية متدهورة؟ وكيف يمكن إقناعه بقيم النظام والاحترام إذا كان يلاحظ تناقضاً بين الخطاب والممارسة داخل المؤسسات؟
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بإنتاج مواطن يعرف القانون فقط، بل بإنتاج مواطن يؤمن بأن احترام القانون يخدم مصلحته ومصلحة المجتمع. وهذا الانتقال من الإكراه إلى الاقتناع هو أصعب مراحل بناء السلوك المدني في أي دولة.
ولعل اللافت في توصيات المجلس ربطه المباشر بين هذا الورش وبين استعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030. فالمونديال بالنسبة للكثيرين مشروع رياضي واقتصادي وسياحي، لكنه في الواقع يمثل أيضاً اختباراً حضارياً لصورة البلاد أمام العالم. فالزائر الأجنبي قد ينبهر بالملاعب والطرق السريعة والفنادق الحديثة، لكنه سيكوّن حكمه النهائي من خلال تفاصيل أخرى أكثر بساطة: نظافة الشارع، احترام الطوابير، سلوك مستعملي الطريق، طريقة التعامل داخل الإدارات والمرافق العمومية.



