حين يحضر ملف الصحراء في اتفاقيات المغرب وفرنسا ويغيب عن أجندة الجزائر وإسبانيا… هل بدأت الرباط تفرض قواعد اللعبة الدبلوماسية الجديدة؟

0
90

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف سياسي يُستحضر في المحافل الدولية أو على طاولة الأمم المتحدة، بل أصبحت، خلال السنوات الأخيرة، معيارًا حاكمًا يعيد المغرب من خلاله هندسة علاقاته الخارجية، ويعيد ترتيب سلم أولويات شراكاته الاستراتيجية. فالمملكة لم تعد تكتفي بالحصول على بيانات دعم أو مواقف دبلوماسية عابرة، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً، عنوانها الواضح: لا شراكة استراتيجية كاملة دون وضوح في الموقف من الصحراء المغربية.

هذه المعادلة، التي بدت قبل سنوات طموحًا دبلوماسيًا، تتحول اليوم تدريجيًا إلى واقع ملموس يمكن قراءته من خلال تفاصيل الاتفاقيات الكبرى، والبيانات المشتركة، والخطاب السياسي للدول التي اختارت تطوير علاقاتها مع الرباط. والأهم من ذلك، أنها لم تعد تُقاس فقط بما يقوله الحلفاء، بل أيضًا بما لم يعد يقوله الخصوم.

هذا التحول تجسد بوضوح خلال الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، الذي تُوّج بتوقيع أربع عشرة اتفاقية جديدة في مجالات الاقتصاد والدفاع والطاقة والابتكار والتكوين، في سياق يؤكد أن العلاقات بين الرباط وباريس دخلت مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها. فالاتفاقيات، على أهميتها الاقتصادية، لم تكن الرسالة الأساسية، بل إن الرسالة الحقيقية كانت سياسية بامتياز: ففرنسا لم تعد تفصل بين شراكتها مع المغرب وموقفها من قضية الصحراء، بل أصبحت تعتبر دعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية جزءًا من الرؤية الاستراتيجية للعلاقة الثنائية، وهو ما ينسجم مع التحول الذي أعلنته باريس خلال العامين الأخيرين وأعادت التأكيد عليه في مختلف المحطات الرسمية.

قراءة هذا المشهد من زاوية “صحافة النظر” تكشف أن ما جرى يتجاوز توقيع اتفاقيات تعاون أو تجديد مواقف دبلوماسية معروفة. فحين يصبح ملف الصحراء حاضرًا داخل بنية الشراكة نفسها، فإن الرسالة الضمنية تتجاوز الاعتراف السياسي إلى إعادة تعريف مفهوم التحالف مع المغرب. لقد نجحت الرباط في نقل الملف من خانة “قضية نزاع” إلى خانة “عنصر مؤسس للثقة الاستراتيجية”، وهو تحول عميق في فلسفة إدارة السياسة الخارجية.

لكن الصورة تكتمل أكثر عندما يُنظر إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

فالجزائر، التي تستعد لاستقبال رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في محاولة لإعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر، تراهن على استعادة شريك اقتصادي مهم، خاصة في قطاع الطاقة والغاز. غير أن المتابع للمشهد يلاحظ مفارقة لافتة: القضية التي كانت السبب المباشر في الأزمة بين مدريد والجزائر سنة 2022 تكاد تغيب اليوم عن الخطاب السياسي المحيط بهذه الزيارة، كما لا تظهر ضمن الملفات الأساسية المتوقع إدراجها في الاتفاقيات أو البيانات المشتركة، وفق ما تداولته وسائل إعلام إسبانية خلال الأيام الأخيرة.

وهنا تكمن إحدى أكثر الإشارات دلالة في المشهد الدبلوماسي الحالي.

فالجزائر، التي جعلت من موقف إسبانيا من الصحراء سببًا لأكبر أزمة سياسية واقتصادية بين البلدين منذ عقود، تبدو اليوم مستعدة لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية دون أن تنجح في دفع مدريد إلى مراجعة موقفها المؤيد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو الموقف الذي أعلنت الحكومة الإسبانية مرارًا أنها متمسكة به منذ رسالة مارس 2022.

المفارقة لا تكمن فقط في استمرار الموقف الإسباني، بل في أن العلاقات الاقتصادية يمكن أن تستأنف دون أن يصبح ملف الصحراء موضوعًا للتفاوض. وهذا في حد ذاته يحمل رسالة سياسية عميقة؛ إذ يعكس تراجع قدرة هذا الملف على أن يكون أداة ضغط فعالة في العلاقات الجزائرية مع شركائها الأوروبيين.

في المقابل، يتحرك المغرب في اتجاه معاكس تمامًا.

فالرباط لا تطلب من شركائها تجاهل مصالحهم مع الجزائر، ولا تسعى إلى إدخالهم في اصطفافات إقليمية، لكنها تعمل على تثبيت معادلة جديدة مفادها أن تطوير الشراكات مع المملكة يمر عبر وضوح الرؤية تجاه وحدتها الترابية. والفرق بين المعادلتين جوهري؛ ففي الحالة المغربية يصبح ملف الصحراء مدخلًا لتوسيع التعاون، بينما في الحالة الجزائرية يبدو أن الملف لم يعد قادرًا على تعطيل التعاون عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

ومن زاوية أعمق، فإن ما يحدث يعكس انتقال الدبلوماسية المغربية من مرحلة الدفاع إلى مرحلة صناعة الوقائع. فبدل الاكتفاء بالرد على مواقف الآخرين، أصبحت الرباط تعمل على إعادة تشكيل البيئة السياسية التي يتحرك فيها الملف، بحيث يتحول الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي تدريجيًا إلى عنصر طبيعي في العلاقات الثنائية مع عدد متزايد من الدول، وليس مجرد موقف استثنائي يصدر في ظروف معينة.

ولعل ما يمنح هذا التحول وزنه الحقيقي هو أنه لا يقوم فقط على البيانات السياسية، بل يُترجم إلى اتفاقيات استثمار، وشراكات دفاعية، ومشاريع اقتصادية، وبرامج تعاون طويلة الأمد. وعندما تُدمج قضية الصحراء داخل هذه المنظومة، فإنها تنتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى المصالح، وهو المستوى الأكثر استقرارًا في العلاقات الدولية.

غير أن القراءة الموضوعية تقتضي أيضًا الإقرار بأن النزاع لم يُحسم قانونيًا أو أمميًا بعد، وأن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر العملية السياسية هي الإطار الأممي لتسوية النزاع، مع استمرار عمل بعثة المينورسو وجهود المبعوث الشخصي للأمين العام. لكن في المقابل، فإن ميزان التحركات الثنائية يشير إلى تغير واضح في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالملف، حيث تتزايد الدول التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يدعم المغرب ومن يعارضه؟ بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا: من ينجح اليوم في تحويل موقفه السياسي إلى معادلة استراتيجية دائمة؟

الوقائع الحالية توحي بأن الرباط نجحت في نقل قضية الصحراء من مربع إدارة الأزمة إلى مربع صناعة التحالفات، بينما يجد خصومها أنفسهم أمام معادلة مختلفة؛ إذ يمكن للعلاقات الاقتصادية أن تعود، ويمكن للشراكات أن تتوسع، لكن دون أن يتغير الموقف الذي حاولوا لعقود جعله شرطًا مسبقًا لكل تقارب.

وربما لهذا السبب تحديدًا لا تبدو أهمية المشهد في عدد الاتفاقيات التي وُقعت بين المغرب وفرنسا، ولا في حجم الاستثمارات المنتظرة بين الجزائر وإسبانيا، وإنما في الرسالة التي يبعث بها كل مسار على حدة: فهناك من نجح في جعل قضية الصحراء أساسًا تبنى عليه الشراكات، وهناك من لم يعد قادرًا على جعلها شرطًا لتعطيلها.

وبين المعادلتين، تتشكل بصمت مرحلة دبلوماسية جديدة، قد لا تُحسم فيها القضية غدًا، لكنها تعيد رسم موازين التأثير، وتكشف أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الخرائط والبيانات، بل حول من يملك القدرة على صياغة قواعد العلاقات الدولية قبل أن تُكتب نصوص الاتفاقيات نفسها.