مونديال 2026: أكرد والزلزولي خارج الحسابات.. هل يواجه المغرب أول اختبار للبقاء قبل صافرة البرازيل؟

0
129

لم يعد الحديث اليوم داخل الشارع الرياضي المغربي يدور فقط حول المباراة الافتتاحية المرتقبة أمام البرازيل، بل انتقل فجأة إلى سؤال آخر أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يفقد منتخب وطني اثنين من أبرز عناصره قبل أيام قليلة من بداية أكبر حدث كروي على وجه الأرض؟ فالتأكيد الرسمي لغياب نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي عن نهائيات كأس العالم 2026 لا يمثل مجرد تغيير اضطراري في قائمة اللاعبين، بل يكشف حجم التحديات التي تواجه المنتخبات الكبرى في عصر كرة القدم الحديثة، حيث أصبح الصراع مع الإصابات لا يقل خطورة عن الصراع مع المنافسين داخل الملعب.

المنتخب المغربي يدخل هذه النسخة من المونديال محمّلاً بإرث تاريخي صنعه في قطر 2022، وبطموحات شعب كامل يرى في “أسود الأطلس” مشروعاً رياضياً وطنياً تجاوز حدود النتائج الآنية ليصبح عنواناً لمكانة المغرب الدولية. لكن كرة القدم، كما أثبتت مراراً، لا تعترف بالتاريخ ولا بالذكريات الجميلة عندما يتعلق الأمر بالجاهزية البدنية. فالمنتخب الذي كان يراهن على خبرة نايف أكرد وصلابته الدفاعية وجد نفسه مضطراً إلى اتخاذ قرار مؤلم باستبعاده بعد سباق طويل مع الزمن للتعافي من العملية الجراحية التي خضع لها في مارس الماضي.

هنا تتجاوز القضية حدود لاعب واحد. فأكرد لم يكن مجرد مدافع ضمن المنظومة، بل أحد أعمدة الاستقرار الدفاعي للمنتخب خلال السنوات الأخيرة. ومنذ مونديال قطر أصبح اسمه مرتبطاً بصورة الدفاع المغربي المنظم والقادر على الصمود أمام أقوى المنتخبات العالمية. ولذلك فإن غيابه يفرض أسئلة تقنية عميقة حول قدرة الجهاز الفني على إعادة بناء التوازن الدفاعي في فترة زمنية قصيرة، خصوصاً وأن المباراة الأولى تأتي أمام منتخب بحجم البرازيل، حيث تكون الأخطاء الفردية مكلفة إلى أبعد الحدود.

وفي المقابل، يبدو غياب عبد الصمد الزلزولي مختلفاً في الشكل لكنه لا يقل تأثيراً في المضمون. فاللاعب الذي يمثل أحد أهم الحلول الهجومية القائمة على السرعة والمراوغة وكسر التكتلات الدفاعية كان مرشحاً للعب دور محوري في المباريات التي تحتاج إلى الإبداع الفردي وصناعة الفارق. إصابته في المباراة الودية الأخيرة أمام النرويج تفتح بدورها نقاشاً متجدداً حول المخاطر التي ترافق المباريات التحضيرية قبيل البطولات الكبرى. فبين ضرورة اختبار الجاهزية الفنية والحفاظ على سلامة العناصر الأساسية، يجد المدربون أنفسهم دائماً أمام معادلة معقدة لا يمكن ضمان نتائجها مسبقاً.

لكن الوجه الآخر للقصة يكمن في الفرصة التي تمنحها هذه الظروف للاعبين آخرين. فاستدعاء مروان سعدان وأمين السباعي لا يجب أن يُقرأ فقط باعتباره حلاً اضطرارياً، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لعمق المشروع الكروي المغربي. فالمنتخبات الكبرى لا تُقاس فقط بجودة نجومها الأساسيين، وإنما بقدرتها على إنتاج بدائل جاهزة وقادرة على الاندماج السريع في أعلى مستويات المنافسة. وهنا يظهر العمل الذي قامت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة في توسيع قاعدة الاختيار ومتابعة اللاعبين المحترفين داخل وخارج المغرب.

كما أن هذه التطورات تعيد إلى الواجهة النقاش العالمي المتصاعد حول الضغط البدني الهائل الذي يتعرض له اللاعبون المحترفون. فالتقارير الصادرة عن هيئات كروية دولية ونقابات اللاعبين خلال السنوات الأخيرة حذرت مراراً من الارتفاع المستمر في عدد المباريات والرحلات والتجمعات الدولية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على نسب الإصابات العضلية وإصابات الأربطة والمفاصل. وعندما تبدأ بطولة بحجم كأس العالم قبل أن تفقد عدة منتخبات بعض أبرز نجومها بسبب الإصابة، فإن الأمر لا يبدو مجرد صدفة بقدر ما يعكس أزمة هيكلية تتعلق بإدارة الروزنامة الكروية العالمية.

ومن الناحية النفسية، تشكل مثل هذه الأخبار اختباراً صعباً لغرفة الملابس. فاللاعبون يدركون جيداً قيمة زملائهم الغائبين، لكنهم يدركون أيضاً أن البطولات الكبرى لا تنتظر أحداً. لذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام الطاقم التقني ليس فقط تعويض الغياب داخل أرضية الملعب، بل الحفاظ على الثقة الجماعية ومنع تسلل الشكوك إلى المجموعة قبل المواجهات الحاسمة. وغالباً ما تكون قدرة المنتخبات على تحويل الأزمات إلى مصادر إضافية للتحفيز عاملاً فاصلاً بين الفرق التي تخرج مبكراً وتلك التي تصنع المفاجآت.

ورغم أن الأنظار تتجه الآن نحو القائمة الجديدة، فإن حالة الترقب ما زالت قائمة بشأن بعض الأسماء التي لم تُحسم جاهزيتها بشكل كامل. وهذا يضع الجهاز الطبي للمنتخب تحت ضغط استثنائي في الساعات والأيام الأخيرة قبل انطلاق المنافسات، خاصة أن أي تطور إيجابي أو سلبي قد يغير الحسابات التكتيكية بالكامل.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذا الحدث في اسمَي أكرد والزلزولي فقط، بل فيما يكشفه عن الطبيعة القاسية لكرة القدم الحديثة. فبين حلم ملايين المغاربة في رؤية منتخبهم يكرر إنجازاته التاريخية، وواقع الإصابات الذي لا يرحم، يجد “أسود الأطلس” أنفسهم أمام اختبار جديد عنوانه القدرة على التكيّف. وربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الواقعة هو: هل تصنع البطولات الكبرى بالنجوم الذين نحضرهم إلى المونديال، أم باللاعبين الذين ينجحون في تحويل لحظة الغياب إلى فرصة لكتابة فصل جديد من التاريخ؟